الخطبة في الاسلام : Astor أسطر

الخطبة في الاسلام

مقدمات العقد من النظر والخطبة وما يتعلق بها من أحكام

تعريف الخطبة:

النظر إلى المخطوبة.

وقت النظر إلى المخطوبة.

من تباح خطبتها.

الخِطبة على الخِطبة.

العدول عن الخِطبة وما يترتب عليها.

      لما كان الزواج من أخطر العقود لأنه عقد الحياة، فيه من التكاليف والالتزامات ما ليس في غيره وتترتب عليه آثار عديدة، كثبوت النسب وحرمة المصاهرة وغير ذلك زادت عناية الشارع به فجعل له مقدمة نظمها وبيَّن أحكامها تسمى بالخطبة ليكون المتزوج على بينة من الطرف الآخر، ويتحقق لهما بهذا العقد الراحة والسعادة البيتية.

      تعريف الخِطبة: والخِطبة هي أن يتقدم الرجل إلى امرأة معينة تحل له شرعاً أو إلى أهلها ليطلب الزواج بها بعد أن توجد عنده الرغبة في زواجها، فإذا أجيب إلى طلبه تمت الخطبة بينهما.

المبحث الأول في النظر إلى المخطوبة:

      ولتكون الخطبة محققة غايتها أباح الشارع النظر إلى المخطوبة مع كونها أجنبية يحرم النظر إليها، بل أمر به ورغب فيه مبيناً الحكمة التي تترتب عليه.

      عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" متفق عليه.

      أي أجدر وأدعى أن يحصل الوفاق والملاءمة بينكما.

      وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها". رواه ابن ماجه وأحمد.

      وعن جابر قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". رواه أبو داود وأحمد.

      فهذه الأحاديث وغيرها تبيح النظر، ولكنها لم تحدد ما ينظر إليه منها ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في بيانه:

      فذهب الجمهور منهم إلى أنه يباح له النظر إلى وجهها وكفيها معللين ذلك، عن جمالها، وحالتها النفسية التي تنطبع على تقاسيمه، كما ينبئ بأن هذا القدر كاف في التعرف، لأن الوجه ينبئ الكفان عن حال الجسم من خصوبة أو هزال.

       وذهب بعض الحنفية إلى زيادة القدمين.

      وذهب الحنابلة إلى زيادة الرقبة.

      وكما يباح للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته كذلك يباح لها الأخرى النظر إلى من خطيبها لتوافق على خطبته عن رغبة ورضى.

وقت النظر:

      ولا بأس بأن ينظر إليها قبل الخطبة وبعدها، لأن النظر إليها قبل الخطبة يدعوه إلى إعلان خطبتها إذا ما صادفت في نفسه قبولاً، والنظر بعدها يؤكد هذه الرغبة بعد إعلانها.

      ويحسن أن يكون مع النظر محادثة كل منهما للآخر ليكشف له مقدار تفكيرها وعذوبة حديثها بشرط أن يكون مع وجود أحد محارمها كأبيها أو أخيها أو عمها أو خالها حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى مفسدة، ولا بأس من تكرار ذلك بهذا الشرط.

      أما ما وراء ذلك من الخلوة بها والخروج معها ومصاحبتها إلى دور اللهو والمنتزهات فباق على تحريمه.

المبحث الثاني

من تباح خطبتها:

      إذا كانت الخطبة وسيلة إلى الزواج فيجب ألا تكون المرأة المراد خطبتها محرماً عليه زواجها، لأن الغاية إذا كانت حراماً كانت الوسيلة كذلك والاشتغال بها عبث لا فائدة فيه.

      من أجل ذلك قرر الفقهاء أنه لا تجوز خطبة امرأة محرمة عليه تحريماً مؤبداً بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة، كأخته من النسب أو الرضاع وزوجة الأب أو الأبن وأم الزوجة أو بنتها وسائر المحرمات على التأبيد.

      وقد وضع الفقهاء قاعدة لمن تجوز خطبتها فقالوا: إن من يجوز الزواج بها في الحال تجوز خطبتها.

      فالمعتدة من طلاق رجعي لا تجوز خطبتها بالاتفاق، لأن زوجيتها لا تزال قائمة، وحق الزواج في مراجعتها قائم، فله مراجعتها في أي وقت قبل انتهاء عدتها رضيت أم كرهت، فتكون كالزوجة من كل الوجوه فتحرم خطبتها بأي شكل تصريحاً كانت أو تعريضاً، لما في ذلك من إيذاء لزوجها أو إثارة للنزاع بينه وبين من خطبها، ولا يجوز ذلك حتى ولو أذن الزوج في تلك الخطبة لأن حق الشارع في المنع قائم فلا يجوز إهداره.

      أما المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى:

      فذهب الحنفية: إلى أنه لا تجوز خطبتها، لا تصريحاً ولا تعريضاً لأن الطلاق البائن إن قطع رباط الزوجية إلا أن بعض آثاره باقية، وهذا كافٍ في منع خطبتها لئلا يؤدي ذلك إلى إثارة النزاع بين مطلقها وبين من خطبها.

      ومن ناحية أخرى: إن إباحة خطبتها قد يحملها على ارتكاب محظور إذا رغبت في زواج من خطبها- فتقر بانقضاء عدتها في مدة زاعمة أنها حاضت فيها ثلاث حيضات، وتصدق في ذلك الأقرار، لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتها وليس لأحد سلطان عليها، بخلاف المتوفى عنها زوجها فان جواز التعريض في حقها لا يؤدي إلى هذا المحظور حيث تعتد بوضع الحمل إن كانت حاملا أو بأربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً.

      وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يجوز خطبتها تصريحاً مراعاة لجانب الزوج المطلق، لأنها معتدة منه، وقد يثور النزاع بينه وبين من خطبها، وجوزوا خطبتها بطريق التعريض لانقطاع الزوجية بالطلاق البائن وهو كاف في جواز التعريض الذي لا يثير النزاع بينه وبين مطلقها.

      أما المعتدة عن وفاة زوجها فقد اتفقت كلمة الفقهاء فيها على أنه لا تجوز خطبتها تصريحاً وتجوز خطبتها بطريق التعريض.

      يدل لذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 234 -235].

      فهذا النص الكريم يبين عدة المتوفى عنها زوجها، والأحكام المتصلة بها، ورفع الجناح عن التعريض بخطبتها في العدة، ونهى عن المواعدة بالنكاح "ولكن لا تواعدوهن سراً" وهو الخطبة الصريحة، ثم نهى عن العقد عليها حتى تنتهي عدتها، والمراد بالنساء هن المتوفى عنهن أزواجهن بدليل سياق الكلام فيقتصر الاستثناء على موضعه.

      والسر في إباحة التعريض: أن الزوجية قد انقطعت بالوفاة، ولا أمل في عودتهما فليس هنا زوج يتضرر من هذا التعريض، وقد يكون في ذلك عزاء لهذه المرأة التي فقدت عائلها، فلا ينقطع أملها في الحياة الكريمة في ظل زوج كريم.

      وأما منع التصريح فمراعاة لجانب المرأة من ناحية أخرى، وهو إحدادها على زوجها، فلو أبيح التصريح لحمل المرأة على التزين وترك الإحداد. على أن الزوج لا يعدم أن يكون له أقارب يلحقهم الأذى بهذا التصريح.

أثر تلك الخطبة المحرمة:

      عرفنا أن الفقهاء متفقون على تحريم الخطبة في الحالات السابقة لعدم توفر شرط صحتها. وهو كون المرأة ممن تحل له عندها.

      فإذا فرض وأقدم شخص على خطبة واحدة منهن كان مرتكباً أمراً محرماً يعاقب عليه في الآخرة، ولو عقد عليها في العدة كان العقد باطلا. أما إذا عقد عليها بعد انتهاء عدتها بناء على الخطبة السابقة كان العقد صحيحاً وتترتب عليه آثاره على الأصح عند الجمهور.

المبحث الثالث

الخطبة على الخطبة:

      قد تكون المرأة متوفراً فيها شرط صحة الخطبة. وهو كونها ممن تحل له في الحال، غير أنه عرض لها وهو أن غيره سبقه إلى خطبتها، ففي خطبتها اعتداء على الخاطب الأول.

      وهذه الخطبة ورد النهي عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر". رواه مسلم وأحمد.

      وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك "رواه البخاري.

      فهذه الأحاديث تفيد تحريم الخطبة على الخطبة لظاهر النهي والتعبير بلا يحل، وإذا كان النهي مسلطاً على الخطبة على خطبة الغير منعاً لما يترتب عليها من إثارة النزاع وهذا يصدق من غير شك على من أجيبت خطبته وقبلت رغبته.

      أما من رفضت خطبته فلا يشملها النهي، ومثلها في ذلك ما إذا أذن الخاطب الأول للثاني كما صرحت به بعض الأحاديث، لأننا لو منعنا خطبتها لغير الأول لألحقنا بها الضرر البالغ، وهذا ما لا يقصده الشارع.

      ولأن الخطبة في هذه الحالة لا تسمى خطبة على خطبة، لأن المرأة لا تسمى حينئذ مخطوبة للخاطب الأول.

      أما إذا لم يفصل في الخطبة الأولى برأي لا بقبول ولا برفض. وهي حالة التردد والسكوت فهل تدخل في ذلك ويكون منهياً عنها أو لا؟.

      اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين:

      أولهما: وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وغيرهما، أن الخطبة في هذه الحالة ممنوعة، لأن الأحاديث الناهية تتناولها حيث أن الأول يسمى خاطباً والمرأة مخطوبة له، وهذا السكوت من جانبها وان لم يدل على الرضى بالخاطب فهو لا يدل على الرفض، لاحتمال وجود أصل الرغبة، والسكوت للتحري عن الخاطب ليتحقق الاطمئنان الكامل والرغبة التامة، فإباحة الخطبة الثانية في هذه الحالة قد يترتب عليها زوال تلك الرغبة ورفض خطبة الأول وهو نوع اعتداء عليه والله لا يحب المعتدين.

      وثانيهما: وهو أحد الرأيين عن الشافعية إباحة هذه الخطبة.

أثر هذه الخطبة في العقد المترتب عليها:

      إذا خطب شخص مخطوبة غيره وعقد عليها فهل يكون لهذه الخطبة المنهى عنها أثر في صحة العقد؟

      اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها لا تؤثر في العقد قضاءً، على معنى أن القاضي لا يحكم بفسخه وينفذه، إنما أثرها ديني فقط حيث إنه ارتكب أمراً منهياً عنه فعقابه أخروي، لأن هذه المخالفة لم تكن في نفس العقد، بل في وسيلته وهي لا تؤثر فيه، لأنها ليست جزءاًمن العقد ولا مقدمة لازمة فيه، فلو عقد شخص عقد الزواج دون أن يتقدم عليه خطبة كان عقده جائزاً شرعاً.

وذهب المالكية في الرأي المشهور عنهم إلى التفصيل بين حالتي الدخول وعدمه، فيقولون: إن هذه الخطبة تؤثر في العقد قبل الدخول لا بعده. بمعنى أن القاضي إذا علم به قبل الدخول فسخه، لأن هذا العاقد تعدى ما ندبه الشارع إليه، وإذا علم به بعد الدخول فلا فسخ، لأن العقد تأكد بالدخول فلا يجوز فسخه لما يترتب عليه من إضرار.

المبحث الرابع

العدول عن الخطبة وما يترتب عليه:

أثر العدول عن الخطبة:

      إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة أو كلاهما فما الأثر المترتب على ذلك بالنسبة لما قدمه الخاطب من مهر أو هدايا، ولما لحق أحد الطرفين من أضرار يعرف ذلك بالتفصيل الآتي:

      أما بالنسبة لما قدمه الخاطب من مهر أو هدايا، فلا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب رد ما قدمه من مهر قليلاً كان أو كثيراً، لأن المهر وجب بالعقد، فهو حكم من أحكامه وأثر من آثاره، وما دام الزواج لم يوجد فلا حق لها في أخذ المهر، بل هو حق خالص للزوج، فإن كان قائماً أخذه بعينه، وإن هلك أو استهلك أخذ مثله إن مثلياً أو قيمته إن كان قيمياً.

      وأما ما قدمه من هدايا، فالفقهاء متفقون في الجملة على ردها وإن اختلفوا في التفصيل:

       ذهب الشافعية إلى وجوب الرد مطلقاً باقية أو غير باقية، فإن كانت موجودة ردت بعينها، وإن هلكت أو استهلكت وجب رد مثلها أو قيمتها سواء كان العدول من قبله أو من قبل المخطوبة أو منهما معاً.

       وذهب الحنفية إلى وجوب ردها إن كانت موجودة في يدها من غير زيادة متصلة بها لا يمكن فصلها، فإن هلكت كعقد فقد أو ساعة تكسرت أو استهلكت كطعام أكل أو ثوب لبس وبلي، أو زادت زيادة متصلة لا يمكن فصلها كقماش خيط ثوباً، أو خرجت عن ملكها بأن تصرفت فيها ببيع أو هبة لا يجب ردها في جميع تلك الصور، لأنهم أعطوا الهدية حكم الهبة، والهبة يمتنع الرجوع فيها بموانع منها الهلاك والاستهلاك والخروج عن الملك والزيادة المتصلة التي لا يمكن فصلها.

       والمالكية في أصل المذهب عندهم لا رجوع بشيء مما أهداه الخاطب ولو كان الرجوع من جهتها، ولكن الفتوى في المذهب برأي آخر عندهم هو الأوفق كما يقولون يفصلونه على الوجه الآتي:

      إن كان هناك عرف أو شرط بالرد وعدمه يعمل به، وان لم يكن شرط ولا عرف، فإن كان العدول من الخاطب فلا يجوز له الرجوع في شيء من هداياه، لأنه آلمها بعدوله عن خطبتها، فلا يجمع عليها مع هذا الإيلام إيلاماً آخر. وإن كان العدول منها وجب عليها رد ما أخذته بعينه إن كان قائماً أو مثله أو قيمته إن كان هالكاً، لأنه لا وجه لها في أخذه بعد أن آلمته بفسخ خطبته.

      ولأن ما قدمه لها لا يمكن اعتباره هبة مطلقة، بل هو هبة مقيدة فانه لولا الخطبة الموصلة للزواج ما قدم لها شيئاً، فإذا لم يتحقق الزواج لم يتحقق الغرض الذي من أجله قدم الهدايا.

      والعدل يقضي بأن المتسبب في منع الزواج هو الذي يتحمل نتيجة عمله.

البَابْ الثاني

في أركان العقد وشروطه وطرق إثباته وأنواعه

الفَصْل الأولْ

في أركان الزواج

المبحث الأول

في صيغة العقد والألفاظ التي تتحقق بها 

ركن الزواج:

صيغة عقد الزواج.

انعقاد الزواج بغير الكلام.

      عقد الزواج له ركنان: الإيجاب والقبول.

      والإيجاب هو ما صدر من أحد العاقدين أولاً دالاً على ما يريده من إنشاء العقد. ويسمى الشخص الذي صدر منه الإيجاب موجباً.

      والقبول هو ما صدر ثانياً من الطرف الآخر دليلا على موافقته على ما أوجبه الأول. ويسمى الشخص الذي صدر منه القبول قابلاً. فأول الكلامين إيجاب سواء صدر من جانب الزوج أو من جانب الزوجة وسمي إيجاباً لأنه أوجد الالتزام، وسمي الثاني قبولاً، لأنه رضا بما في الأول من التزام وإلزام، وما فيه من التزام بالنسبة للقابل كان نتيجة لرضاه بما تضمنه قول الأول من إلزام.

ما يتحقق به الإيجاب والقبول:

      الأصل في تحقق الإيجاب والقبول في عقد الزواج أن يكون بالعبارة، وقد يوجد أحدهما أو كلاهما بالإشارة أو الكتابة في بعض صوره.

      ولما كان الأصل فيه هو الألفاظ عني الفقهاء ببيان الألفاظ التي ينعقد بها من ناحية مادتها وناحية صورتها.

      أما الأولى: فقد اتفق الفقهاء على أنه ينعقد بكل لفظ مأخوذ من مادتي الزواج والنكاح، لأنه أكثر النصوص الواردة فيه جاءت بهما، كما اتفقوا على عدم انعقاده بألفاظ الإباحة والإحلال والإيداع والإعارة والرهن، لأنها لا تفيد التحليل والزواج من عقود التحليل، لأنه يفيد ملك المتعة للزوج.

      وكذلك لا ينعقد بلفظ الوصية، لأنها وإن أفادت التمليك إلا أنه تمليك مضاف لما بعد الموت، والزواج يفيد التمليك في الحال، فلم توجد علاقة مسوغة لاستعمال لفظ الوصية في الزواج.

      وكذلك لفظ الإجارة، لأنها وان أفادت ملك المنفعة في الحال إلا أنها شرعت مؤقتة بوقت معين والزواج شرع على الدوام والتأبيد، وكل تأقيت فيه يلحق به الفساد على الأصح.

      واختلف الفقهاء فيما عدا ذلك من الألفاظ كالهبة والتمليك والبيع والصدقة والجعل:

      ذهب الشافعية والحنابلة إلى منع انعقاده بهذه الألفاظ كلها وقصوره على لفظي النكاح والتزويج وما اشتق منهما كأنا متزوج مثلاً. مستندين إلى أن الزواج عقد له خطره إذ به تحل المرأة بعد أن كانت حراماً، وتثبت به الأنساب، ففيه ناحية تعبدية تجعلنا نتقيد بما ورد عن الشارع فيه من ألفاظ، ولم يرد في مواضع تشريعه في القرآن إلا بهذين اللفظين جاء ذلك في أكثر من عشرين آية منها { {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء :3] {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور :22] {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب : 37].

       ومن هنا قالوا: إن المراد بكلمة الله في الحديث "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" الزواج والنكاح، لأنهما الواردتان في القرآن فلا يصح أن يقاس غيرهما عليهما.

      على أن الزواج مشروط فيه الشهادة فلا بد أن يكون اللفظ الذي يعقد به صريحاً حتى يعرف الشهود ما شهدوا عليه، أما غيرهما من الألفاظ فإنها لا تدل عليه إلا بالنية والقرينة، وقد يخفى ذلك على الشهود فلا تصح شهادتهم.

      وذهب الحنفية إلى تصحيح استعمال هذه الألفاظ مع القرينة الدالة على أن المتكلم أراد بها الزواج كذكر المهر معها وإحضار الشهود وما شابه ذلك، لأن هذه الألفاظ تفيد تمليك العين في الحال ولا تقبل التوقيت، فإذا قالت المرأة للرجل: وهبت لك نفسي بمهر كذا أو ملكت نفسي أو جعلت لك نفسي بمهر قدره كذا، أو قال وليها ذلك وقبل الرجل ينعقد الزواج، لأن القرينة تعين المراد منها، وأنه لا يقصد بها حقيقتها، بل يقصد بها الزواج، وأي شخص يفهم منها الزواج إذا ذكر المهر مع حضور الناس الحفل المعد للزواج.

      أما دعوى أن النصوص الشرعية لم تذكر في معرض تشريعة إلا لفظي النكاح والزواج فغير مسلمة، لأن القرآن ذكر لفظ الهبة أيضاً في مقام تشريعه في قوله سبحانه: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ودعوى الخصوصية بالنبي غير مسلمة، لأن الخصوصية الثابتة له في هذا هي الزواج بدون مهر لا في خصوص لفظ الهبة، لأن الله قد قال بعد ذلك: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ونفى الحرج عن رسول الله لا يكون في اختصاصه بعقد الزواج بلفظ خاص.

وهو أفصح الخلق على الإطلاق، وإنما يكون في تزويجه بدون مهر وصدر الآية يقول:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ...} إلى أن قال:

{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} وهذا يفيد بمجموعه، أنا أحللنا لك الزواج بمهر وبغير مهر لكي لا يكون عليك حرج.

      وقد وردت السنة بلفظ التمليك في قصة المرأة التي جاءت تعرض نفسها على النبي فأعرض عنها إلى أن قال أحد أصحابه. يا رسول الله إن لم يكن بك حاجة إليها فزوجنيها فسأله عن مهر يعطيه لها واعتذر بأنه لا يجد شيئاً. حتى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "قد ملكتكها بما معك من القرآن".

      وإذا ورد النص بهذين اللفظين فيكون ما يفيد معناهما مثلهما فلا وجه لمنع الزواج بهذه الألفاظ.

      وذهب المالكية إلى التوسط بين المذهبين فأجازوا التزويج بلفظ الهبة إذا ذكر معها الصداق. كأن يقول طالب الزواج: هب لي ابنتك بمهر كذا، أو يقول ولي المرأة: وهبت لك ابنتي بمهر كذا، ويقول الآخر: قبلت.

      قد يقال: إن الحديث روي برواية أخرى بلفظ زوجتكها فتكون تلك الرواية بالمعنى وهي لا تثبت مدعاكم.

      والجواب: إن الراوي الذي رواها لو لم يكن يعلم أن لفظ "التمليك" ينعقد به النكاح شرعاً ما جاز له التعبير به عن التزويج. والله أعلم.

      ويرى بعض فقهاء المالكية أنه يصح بألفاظ أخرى من كل ما يدل على البقاء مدة الحياة كتصدقت ومنحت وبعت وملكت وأعطيت.

- هل يشترط في صيغة الزواج أن تكون باللغة العربية؟

      ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه ليس بشرط فينعقد بهذه الألفاظ بأي لغة كانت عربية، أو غير عربية سواء كان العاقدان قادرين على العربية أو عاجزين عنها، لأن المقصود هو التعبير الواضح عن إرادة العاقدين. وهو يصح بأي لغة.

      وذهب الشافعية في قول إلى أنه شرط فلا يجوز للقادر على العربية أن يعقده بغيرها. لأن الزواج فيه ناحية تعبّد فأشبه الصلاة فكما أنها لا تصح بغير العربية للقادر عليها فكذلك الزواج، ولأنه لم يشرع إلا بلفظين ورد بهما القرآن فترك العربية إلى غيرها ترك المشروع إلى غيره فلا يصح، أما العاجز عنها فقد قام العذر في جانبه وصار كالأخرس.

      وإذا كان أحد العاقدين يحسن العربية والآخر لا يحسنها. فمن جوز للقادر على العربية التعبير بغيرها يجوز هنا لهما التعبير بغير العربية، ومن منع يقول: إن من يحسن العربية يعبر بها لقدرته عليها ومن لا يحسنها يعبر بلغته لقيام العذر في جانبه فسقط عنه كالأخرس.

      ثم يشترك في الشهود عند ذلك معرفة لغتيهما، فان كان كل منهما يجهل لغة الآخر ترجم بينهما مترجم يعرف لغتهما.

      وبعد ذلك لا يشترط في اللغة التي ينعقد بها الزواج أن تكون هي الفصحى، بل يصح بها وبغيرها كالعامية فيصح أن يقول جوزني وجوزتك بدل زوجني وزوجتك.

12-  صيغة العقد:

      قرر فقهاء الحنفية أن عقد الزواج يكون بلفظين ماضين أو بلفظين أحدهما ماض والآخر للحال أو الاستقبال، لأن القرينة السابقة مانعة من احتمال معنى آخر غير إنشاء العقد.

      على أن إحضار الشهود وإعداد الحفل ودعوة الناس غالباً قرينة أخرى تؤكد إرادة إنشاء العقد بقوله زوجني نفسك أو أتزوجك.

      فلو قال الرجل لولي المرأة: تزوجني ابنتك بصيغة المضارع فقال له: زوجتكها تم العقد دون حاجة إلى عبارة أخرى، وكذلك لو قال بصيغة الأمر: كزوجني أختك إذا قصد بها إنشاء العقد لا مجرد طلب الوعد أو تعرف رغبته ومثل ذلك لو كان الباديء المرأة أو وليها.

المبحث الثاني

انعقاد الزواج بغير الكلام:

      إذا كان العاقدان في مجلس واحد وكانا قادرين على الكلام فلا ينعقد الزواج بينهما إلا به، فلا ينعقد بالكتابة، لأنه يشترط في صحته حضور الشهود وسماعهما كلام العاقدين عند جماهير الفقهاء، وهذا لا يتيسر في الكتابة، ولأن عقد الزواج أساسه العلنية دون السرية وبالكتابة يكون سراً، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإعلانه فيقول: "أعلنوا هذا النكاح".

      وإذا لم ينعقد بالكتابة فأولى ألا ينعقد في هذه الحالة بالإشارة لأنها أضعف في بيانها من الكتابة.

      وأما العاجز عن الكلام كالأخرس. فإن كان لا يحسن الكتابة ينعقد بإشارته المعروفة بالاتفاق بين الفقهاء، لأنه لا سبيل له في التعبير عن إرادته إلا بها، ولا يزوجه وليه إن كان بالغاً، لأن الخرس كالصمم لا يوجب الحجر عليه.

وإذا كان يحسن الكتابة فهل يصح عقده؟.

      ذهب الحنفية إلى روايتين:

      إحداهما: أنه ينعقد، لأن الأصل في العقد أن يكون بالكلام، فإذا عجز عنه طلب معرفة غرضه بأي وسيلة، ويستوي في ذلك الإشارة والكتابة لأنهما يدلان على مراده.

      وثانيهما: أنه لا ينعقد بالإشارة بل لا بد من الكتابة، لأنها أقوى بياناً من الإشارة حيث يعرفها كل من يقرأ، بخلاف الإشارة فانه لا يعرفها إلا القليل، وإذا لم يتساويا اعتبر الأقوى.

      وإذا لم يكن الطرفان في مكان واحد جاز أن يكون أحد شطري العقد بالكتابة وهو الإيجاب.كأن يكتب مريد الزواج إلى الطرف الآخر كتاباً يتضمن عبارة الإيجاب. مثل زوجيني نفسك أو تزوجتك، فإذا وصل الكتاب إليها قرأت الكتاب أمام شاهدين أو أخبرتهما بمضمونه. كأن تقول "إن فلاناً أرسل إلي يطلب الزواج مني وأنا أشهد كما أنني قبلت زواجه، فإذا سمع الشاهدان الإيجاب والقبول تم العقد، ولو سمعا قبولها فقط دون الإيجاب لا يصح العقد، لأن الشرط السماع للإيجاب والقبول.

      ومثل الكتابة في هذا إرسال الرسول الذي يبلغ إيجاب الموجب، فلو أرسل شخص رسولاً لامرأة ليبلغها أنه يقول لها: تزوجتك أو زوجيني نفسك فتقول: قبلت زواجه أو زوجته نفسي تَمَّ العقد إذا كان أمام شاهدين سمعا كلام الرسول بالإيجاب وقبولها في مجلس تبليغ الرسالة.

      ولا خلاف بين الفقهاء في أن الزواج لا ينعقد بالأفعال، كأن تقول امرأة لرجل زوجتك نفسي بمائة دينار مثلاً فيدفعها إليها الرجل من غير أن يتكلم، أو قام وسلم عليها مغتبطاً بما قالته لم ينعقد العقد حتى ولو كان أمام شهود، لأن الإسلام رسم له طريقة يعقد بها ليست هذه منها.

      ولأن الناس كانوا يتزوجون في عهد رسول الله وفي عهد أصحابه بل وفي جميع العصور ولم يؤثر عنهم أنهم عقدوا الزواج بهذه الصورة، بخلاف العقود الأخرى فإن الكثير منها كانوا يعقدونه بالأفعال "التعاطي" فليس في هذه الصورة إلا الإيجاب، والزواج لا يتحقق بالإيجاب وحده.

      وأما الإقرار بالزواج، كأن يقول الرجل هي امرأتي:

      فذهب الحنفية إلى رأيين أحدهما: أنه لا ينعقد الزواج به، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء. وهذا لا يتنافى مع ما صرحوا به من أن النكاح يثبت بالتصادق، لأن الإقرار لا يكون من صيغ العقد، والمراد بقولهم: إنه يثبت بالتصادق أن القاضي يثبت الزواج بالتصادق ويحكم به.

      وثانيهما: أنه ينعقد به إن كان بمحضر من الشهود ويجعل الإقرار إنشاء. كما لو قالت: جعلت نفسي زوجة لك فإنه ينعقد به، وإن لم يكن بمحضر من الشهود لا ينعقد.

      والحق انه تفصيل في المذهب فان الأول محمول على ما إذا قصدا مجرد الإخبار عن حصول عقد الزوجية بينهما في الماضي ولم يكن بينهما عقد أو كان العقد بغير شهود، والثاني على ما إذا قصدا بالإخبار إنشاء العقد فينعقد في الحال.

عقد الزواج بالهاتف:   

      ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن الزواج لا ينعقد بواسطة "الهاتف" لأنه يشترط لصحته حضور شاهدين يسمعان كلام العاقدين ويفهمان المراد منه إجمالا عند جماهير الفقهاء.

      وحضور الشهود وسماعهم ممكن في حال اجتماع العاقدين في مكان واحد وفي حالة إرسال الرسول أو الكتاب لأن السماع ممكن فيها.

      أما في التكلم في الهاتف فان الشاهدين يسمعان كلام أحد العاقدين فقط وسماعهما الإيجاب وحده أو القبول وحده غير كاف في صحة العقد، وكذلك لو شهد اثنان على كلام أحدهما وآخران على كلام الآخر لأن الشهادة لم توجد على العقد. وأما عند من لم يشترط الشهادة فيمكن أن يقال إنه ينعقد متى تأكد كل من الطرفين من شخصية الآخر ووضوح عبارته والتأكد من ذلك عسير لاشتباه الأصوات وإمكان تقليدها.

الفَصْل الثّاني

في شروط عقد الزواج

المبحث الأول

14-  شروط الانعقاد:

      يشترط لانعقاد الزواج شروط. منها ما يرجع إلى العاقد، ومنها ما يرجع إلى الصيغة، ومنها ما يرجع إلى محل العقد.

      أ- فأما ما يرجع إلى العاقد فشرطان:

      أولهما: أن يكون كل من العاقدين أهلاً لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً. سواء كان كامل الأهلية كالبالغ الرشيد أو ناقصها كالصبي المميز، غير أن كامل الأهلية عقده نافذ، وناقصها عقده موقوف.

      فان كان أحد العاقدين فاقد التميز كالمجنون والصبي غير المميز فلا ينعقد الزواج، لأن فاقد التميز لا إرادة له، ومتى انعدمت الإرادة انعدم العقد.

      وثانيهما: أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من الآخر. بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ويعرف مراده منها. بأن يعرف أن هذه العبارة أو تلك الإشارة يقصد بها إنشاء العقد وإن لم يعرف معاني الكلمات اللغوية.

      فلو لقنت امرأة غير عربية لفظ زوجتك نفسي فقالتها للرجل الذي يطلب زواجها وهي تعرف أن هذه الكلمة تقال لإنشاء عقد زواج انعقد العقد وإن لم تكن تعرف معناها اللغوي.

      بـ- وأما ما يرجع إلى الصيغة "الإيجاب والقبول":

      فأولاً: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. ومعنى الاتحاد هنا ألا يصدر من العاقدين أو أحدهما ما يلغي الإيجاب بعد صدوره. كأن يرجع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو يعرض الطرف الآخر فلا يجد ذلك القبول إيجاباً يرتبط به. فلا ينعقد العقد، لأن المكان وإن كان واحداً إلا أن وجود الفاصل بين الإيجاب والقبول بالعمل الأجنبي منع الاتحاد حكماً.

      هذا ومجلس عقد الزواج بالنسبة للتعاقد بطريق الرسالة أو الكتاب هو مجلس تبليغ الرسالة أو قراءة الكتاب أمام الشهود، فلو بلغ الرسول الرسالة إلى المرأة ثم اشتغلت بشيء آخر ثم قبلت فلا ينعقد العقد، وكذلك لو قبلت في مجلس آخر لعدم اتحاد المجلس فيهما.

      ولا يلزم من اشتراط اتحاد المجلس أن يكون القبول فور الإيجاب، لأن المراد كما قلنا . ألا يوجد منهما أو من أحدهما ما يلغيه، فلو صدر الإيجاب وطال الوقت والمجلس قائم ولم يوجد رجوع من الموجب، ولا اشتغال بشيء آخر ممن وجه إليه الإيجاب ثم صدر القبول انعقد العقد.

      هذا إذا كان العقد بين حاضرين، فان كان بين غير حاضرين بكتاب مكتوب أو برسالة رسول فالقبول مقيد بمجلس تبليغ الرسالة أو قراءة الكتاب لأنه هو مجلس العقد في هذه الصورة كما قلنا.

      وثانياً: أن يوافق القبول الإيجاب حتى يتلاقيا على شيء واحد، ويتحقق اتفاق الإرادتين، فإذا تخالفا مخالفة كلية أو جزئية لا ينعقد الزواج إلا في حالة ما إذا كانت المخالفة إلى خير للموجب فإنه ينعقد، لأنه التوافق موجود وإن لم يكن صريحاً، وتفصيل ذلك:

      أن المخالفة إما أن تكون في محل العقد أو في مقدار المهر.

      فإذا كانت في المحل. مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك عائشة فيرد عليه بقوله: زوجتك ابنتي فاطمة، وفي هذه الصورة لا ينعقد العقد.

      وإن كانت في مقدار المهر بأن يقبل بأقل أو أكثر مما أوجبه الموجب فلا يخلو. إما أن تكون المخالفة فيها خير للموجب أو ليس فيها ذلك.

      فان كانت ضارة مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك فلانة بمائة فيقول الآخر: زوجتكها بمائتين.

      وفي هذه الحالة لا ينعقد العقد، لأن الإيجاب والقبول تخالفا في المهر، وهو وإن لم يكن ركناً في العقد إلا أنه عند ذكره بمقداره مع الإيجاب يلتحق به ويصير كجزء منه فيجب أن يكون القبول موافقاً لهذا المجموع.

      وإن كانت المخالفة فيها خير للموجب مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني أختك فلانة بألف ليرة، فيقول الآخر: زوجتكها بخمسمائة، أو يقول ولي المرأة: زوجتك أختي بألف ليرة، فيقول الآخر قبلت زواجها بألفين.

      ففي هذه الحالة ينعقد العقد، لأن المخالفة هنا فيها موافقة ضمنية لإيجاب الموجب، والإرادتان متوافقتان، فإن من يلزم نفسه بالأكثر يقبل بالأقل، ومن يقبل أن يزوج بنته أو أخته بالقليل لا يمانع في زواجها بالكثير.

      غاية الأمر أن الزيادة في المهر من قبل الزوج لا تستحقها الزوجة إلا إذا قبلتها، فلو لم تقبلها صراحة في المجلس لا يجوز لها بعد ذلك أن تطالب بها، لأن التمليك لا يكون بدون قبول إلا في الميراث بجعل الشارع، أما النقصان من جانب الزوجة فلا يشترط فيه قبول الزوج، لأنه إسقاط وحط عنه وهو لا يحتاج إلى قبول.

      وثالثاً: أن تكون الصيغة منجزة. بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمر سيحدث في المستقبل.

      أو مضافة إلى زمن مستقبل. كأن يقول الرجل للمرأة : تزوجتك فتقول قبلت فلا خلاف بين الفقهاء في ذلك.

      فإن علقه كأن يقول: تزوجتك إن قدم فلان من سفره وقَبِلَت، أو قال لها: تزوجتك في أول العام القادم وتقول قبلت فلا ينعقد العقد. لأن الزواج من التمليكات وهي لا تقبل التعليق ولا الإضافة، لأن الشارع وضعه ليفيد حكمه في الحال بدون تأخير فتعلقيه على أمر سيحدث في المستقبل يخرجه عما وضعه الشارع له ويجعله محلاً للمقامرة واحتمال حصول آثاره أو عدم حصولها، وإضافته تعطيل لعمله في فترة الزمن ما بين صدور الصيغة إلى مجيء الوقت المضاف إليه.

فكان كل منهما منافياً لوضعه الشرعي فيبطل العقد معهما.

      جـ- أما ما يرجع إلى المحل وهو المرأة المعقود عليها فيشترط فيها:

      أولاً: أن تكون أنثى محققةالأنوثة، فلو عقد على غير الأنثى كالخنثى المشكل لا ينعقد العقد لعدم المحلية ويكون باطلاً، فإن زال الإشكال بأن غلبت فيه علامات النساء جاز العقد.

      ثانياً: ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً لا شبهة فيه. لا يختلف في حرمتها سواء كان التحريم مؤبداً كالأم والبنت والأخت وباقي المحرمات، أو مؤقتاً كزوجة الغير والمسلمة بالنسبة لغير المسلم، والوثنية بالنسبة للمسلم وهو ما يعبر عنه بكون المرأة محلاً أصلياً للزواج.

      فإن عقد على واحدة من هؤلاء كان العقد باطلاً، لأن هذه المرأة ليست محلاً أصلاً للزواج فيكون العقد خالياً من المحل والعقد لا يوجد بدون محله.

mohmmad

محمد الشافعي

Navigation