منهج ابن حجر في عزوه للمصادر : أسطر في الإسلام

منهج ابن حجر في عزوه للمصادر

محمد الشافعي

منهج ابن حجر في عزوه للمصادر

بدأه محمد الشافعي

 

المؤلف : عبد المجيد الشيخ عبد الباري

عزوه للمصادر
أولا: ما نص على النقل من مصدر معين ولم أجده فيه، ووجدته في غيره.
ومن الجدير بالذكر أن حجر نقل في كل ما نقل بكل أمانة، وعزاه إلى أصحابها، ولكن بعض هذه الآثار لا نجدها في تلك المصادر التي بين أيدينا، وهذا الأمر يحتمل أن تكون النسخ التي اعتمد عليها الحافظ ابن حجر من تلك المصادر غير التي وصلت إلينا؛ فإنه كان يختار نسخا نفيسة ذات قيمة علمية عظيمة. فها أنا أورد بعض الأمثلة يؤكد هذا الاحتمال مع أن العلم اليقيني عند الله عز وجل.
قال ابن حجر "في رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عباس لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال عمر: أي جمع يهزم؟ قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدروع ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} أخرجه الطبري وابن مردويه"1. وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره 27/108 قال: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} ... الحديث. ولم يذكر في إسناده "ابن عباس" كما ذكره ابن حجر. وهذا الحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 7/682 أيضا عن عكرمة، ثم ذكره عنه عن ابن عباس موصولا، ونسبه إلى ابن جرير، مما يؤكد أن ابن جرير رواه موصولا أيضا. ويزيده تأكيدا قول ابن حجر - عقب الرواية - "وهذا مما يؤيد ما قدمته أن ابن عباس حمل هذا
ـــــــ
1 فتح الباري 7/289.

(1/104)


الحديث عن عمر"1.
ومن أمثلة ذلك أيضا: قوله 2 "وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: { وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} أي حاضت"، هكذا عزاه ابن حجر إلى الطبري، مع أني لم أجد هذه الرواية في تفسيره، ثم إن السيوطي لما ذكره في الدر المنثور 4/451 نسبها إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، ولم ينسبه إلى الطبري. فلعل هذه النسبة سهو من الحافظ ابن حجر رحمه الله إلا أن يكون أخرجها في كتاب آخر غير التفسير - وما أظنه كذلك - أو تكون هذه الرواية سقطت من تفسيره من النسخة الموجودة بين أيدينا. والله تعالى أعلم بالصواب. انظر الرواية رقم 1027.
ومن ذلك أيضا قوله3: "أخرج الطبراني في "الصغير" بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصل رحمه أنسئ له في أجله، فقال: إنه ليس زيادة في عمره، قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} الآية، ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده".
هكذا عزاه ابن حجر إلى الطبراني في "الصغير"، ولكن لم أجده فيه - وإنما وجدته في الأوسط برقم34: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة، عن أبي الدرداء - مرفوعا نحوه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8/156 وقال: رواه الطبراني في
ـــــــ
1 فتح الباري 7/290.
2 فتح الباري 1/400.
3 فتح الباري 10/416.

(1/105)


الصغير والأوسط. انظر الرواية رقم 1272.
ومن أمثلة ذلك أيضا قوله 1: "وللترمذي والحاكم من طريق عثمان ابن عبد الرحمن القرظي قرأت عائشة: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام، 94] فقالت: وا سوأتاه، الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: " {لِكُلِّ امْرِئٍ} الآية وزاد: "لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض".
هكذا عزاه ابن حجر إلى الترمذي والحاكم، ولم أجده عند الترمذي، ولعل هذا العزو سهو منه رحمه الله؛ إذ أن الراوي عن عائشة "عثمان بن عبد الرحمن القرظي"، ليس من رجال الكتب الستة، ولم يترجم له في التهذيب أيضا. بل قال الشيخ محمود محمد شاكر: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا في شيء من الكتب. انظر برقم 788.
وهذه أمثلة على هذا النوع، وهناك مواطن أخرى غير هذه وقفت عليها أثناء هذه الدراسة، وقد نبهت عليها في مواطنها.
ثانيا: ما نص على رواية راو معين، وهو مروي عن غيره.
من خلال دراستي للروايات التفسيرية في فتح الباري، وقفت على بعض الروايات التي أوردها ابن حجر عن رواة، نصّ ابن حجر على أنها رويت عنهم، ولكن عند الرجوع إلى المصادر التي نقل عنها ابن حجر تلك الروايات، وجدت أنها رويت عن غيرهم. وكنت أشرت إلى ذلك أينما وقفت عليها. وهنا أذكر بعضاً منها كأمثلة:
ـــــــ
1 فتح الباري 11/387.

(1/106)


من ذلك قوله1: "روى الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال: أرادوا الجمعة فأخطؤوا، وأخذوا السبت مكانه".
ولم أجده عند الطبري عن مجاهد بهذا السياق، وإنما أخرج 14/193 من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة - بلفظه. وعنده من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد بلفظ " {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} اتبعوه وتركوا الجمعة"، نعم وقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره 1/2/362 عن معمر قال: أخبرني من سمع مجاهداً يقول في قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ} قال: أرادوا الجمعة، فأخذوا السبت مكانه". انظر: الرواية رقم 1314.
ومن ذلك أيضا قوله2: "أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} [الإسراء: 7] قال: ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرا".
ولم يقع لي عند الطبري من طريق سعيد، وإنما من طريق أبي ثور عن معمر، فقد أخرجه 15/36 حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد ابن ثور، عن معمر، عن قتادة. ولفظه: " {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} قال: يدمّروا ما علوا تدميراً...". انظر: الرواية رقم 1325.
وقد تكرر مثل هذا، فقال أيضا3: "ومن طريق سعيد عن قتادة"
ـــــــ
1 فتح الباري 2/355.
2 فتح الباري 6/439.
3 فتح الباري 8/394.

(1/107)


يزجي الفلك "أي: يسيرها في البحر".
وهذا أيضا ليس من طريق سعيد، وإنما من طريق محمد بن ثور، عن معمر؛ فقد أخرجه ابن جرير 15/122 حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة - فذكر مثله. انظر الرواية رقم 1382.
ومن أمثلة ذلك أيضا قوله1: " {إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء:75] ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ضعف عذاب الدنيا والآخرة".
هكذا عزاه للطبري من طريق علي بن أبي طلحة، وهو ليس كذلك، وإنما هو من طريق العوفي. فقد أخرجه 15/131 من طريقه بهذا اللفظ. انظر رقم 1392.
ومن ذلك أيضا قوله2 في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} : "ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: على طبيعته وعلى حدته".
وليس هو من طريق ابن أبي نجيح، وإنما من طريق ابن جريج؛ فقد أخرجه ابن جرير 15/154 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عنه - مثله. انظر الرواية رقم 1419.
ومن ذلك أيضا قوله3: وعن قتادة قال: {هَمْساً} صوت الأقدام، أخرجه عبد الرزاق".
ـــــــ
1 فتح الباري 8/393.
2 فتح الباري 8/393.
3 فتح الباري 8/433.

(1/108)


مع أنه ليس عنده في تفسيره عن قتادة بهذا اللفظ، وإنما عن الثوري. انظر تفسير عبد الرزاق 2/19. وانظر الرواية رقم 1710.
ومن ذلك أيضا قوله1 "ووصله الفريابي والحاكم وابن جبير عن مجاهد قال: يقول: سوف أتوب".
هكذا ذكر هذا الأثر عن مجاهد، ثم عزاه للفريابي والحاكم وابن جبير، بينما علقه البخاري عن ابن عباس، ثم إن الحافظ وصله في تغليق التعليق 4/355 أيضا من طريق ابن عباس. وكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور 8/344 ونسبه إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، كلهم عن ابن عباس. انظر الرواية رقم 3138. وهذا نادر جداً.
ثالثا: ذكر الرواية مع عدم ذكر الراوي لها.
وكان الحافظ ابن حجر فيما ينقله ينسب إلى من أخرجه وإلى من روي عنه سواء كان من الصحابة أو التابعين، إلا أنه في بعض الأحيان قد خالف هذا المنهج، فيذكر الرواية ولم يبيّن الراوي.
ومن أمثلة ذلك قوله2: "أخرج ابن إسحاق في سؤال من سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف: "غدا أجيبكم"، فتأخر الوحي فنزلت {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} فقال: "إن شاء الله".
هكذا أورده من غير ذكر الراوي، وهذا الأثر مروي عن ابن عباس، فقد
ـــــــ
1 فتح الباري 8/681.
2 فتح الباري 11/603.

(1/109)


ذكره ابن كثير في تفسيره 5/132- 33 قال "وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، قال: حدثني شيخ من أهل مصر، قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس - فذكره قصة اجتماع اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم وسؤالهم عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. وتأخر الوحي عنه ثم نزول جبريل عليه السلام سورة أصحاب الكهف".
ومن أمثلة ذلك أيضا قوله1: "أخرج ابن أبي حاتم من طريق جيدة أن قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} نزلت في صلاة العيد وزكاة الفطر، وسنده حسن".
لم يذكر ابن حجر قائله، ولا ذكر إسناده إلا أنه قال "وسنده حسن". انظر الرواية رقم 3339.
ـــــــ
1 فتح الباري 7/262.