ما معنى ترمض الفصال : أسطر

ما معنى ترمض الفصال

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ) رواه الترمذي .
]

 ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ) والفصال جمع فصيل، وهو ولد الناقة، يمشي في بكرة النهار مستريحاً، ولكن إذا اشتدت الشمس وارتفعت أكثر من رمحين قبل أن تصل إلى الزوال، أي: في ربع السماء، ومعنى ربع السماء: أي: نصف الدائرة من نقطة الشروق إلى نقطة الغروب، فنصفها هو وقت الزوال، ومن نقطة الزوال إلى الشروق منتصف المسافة الربع الشرقي، ومن نقطة الزوال إلى نقطة الغروب منتصف المسافة الربع الغربي، فإلى أن تأتي الشمس في ربع السماء الشرقي هناك ترمض الفصال، تحتر الأرض الرملة -وهي الرمضاء مثل الرماد الحار- فالفصيل الصغير لا يقوى على المشي؛ لأن الرمل يحرقة تحت خفه فلا يقوى عليها فيربض في الأرض، قالوا ذلك الوقت هو: صلاة الأوابين، وأحسن أوقاتها ذلك الوقت.

و جاء في شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم :


فقوله: (صلاة الأوابين) ما هي صلاة الأوابين؟ وهناك الحديث الآخر: ( صلاة الضحى صلاة الأوابين )، وروي أن صلاة الأوابين ما بين المغرب والعشاء، ولا تعارض: فتكون هذه صلاة للأوابين في النهار، وهذه صلاة للأوابين في الليل، فلا تعارض في ذلك، ولكن فيما يتعلق بالضحى حين ترمض الفصال، الرمضاء: التراب الحار، وذلك عندما تشتد الشمس، وتكون الأرض رملا، وأهل الإبل يعرفون ذلك بالتوقيت تماما، والفصال جمع فصيل، وهو الذي انفصل عن أمه وهو صغير لم يبلغ سنة، فإذا كان يمشي وراء أمه وارتفعت الشمس كما يقال: في ربع الدائرة؛ لأن الدائرة تنقسم نصفين: نصف نهار، ونصف ليل، من نقطة طلوع الشمس إلى نقطة غروبها تتوسط الدائرة سطح الأرض الأعلى نهار، وسطحها الأدنى ليل، فالنصف الأعلى نهار يقسم إلى أرباع: الربع الأول وقت الضحى، الربعان مجتمعان يعني: النصف حينما تزول الشمس وقت الظهر، الربع الثاني وقت صلاة العصر، والربع الرابع عندما تغرب الشمس ويأتي وقت المغرب { أقم الصلاة لدلوك الشمس } [الإسراء:78] دلوكها أي: زوالها عن كبد السماء.
فعندما تطلع الشمس يكون في أول طلوعها أشعة هادئة باردة لطيفة أو كما يقول الأطباء: مليئة بفيتامين (د) فهو مقو للأطفال المصابين بالكساح نافع للعظام، فإذا ارتفعت الشمس إلى أن تصل إلى ربع الدائرة احترت واشتدت الحرارة، والفصيل لا يستطيع أن يتابع المشي، يربض، فأهل الإبل يحملونه على ظهر أمه وإلا لا يستطيع أن يمشي، انظروا التوقيت سبحان الله العظيم! لم يقل: الساعة الفلانية؛ لأنه لا ساعات في ذلك الوقت، ما كل إنسان يقيس النهار بالساعة، مع أنهم يعرفون الوقت بحركة الظل، وإلى الآن هناك بعض الفلاحين يقيسون الزمن بالظل، وينصبون عودا، وينظرون إلى ظله، أول ما يكون إلى جهة الغرب، ثم يتحول، وكلما ارتفعت الشمس يقصر الظل، ويتحول إلى الجنوب أو إلى الشمال، ثم تزول الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغرب، ويقيسون بالأصابع ويضعون أعوادا، يجلسون يعدون اثنتا عشرة ساعة بالنصف ساعة وبالربع ساعة.
والمزولة كانت موجودة في المسجد هنا في الداخل، وهي الآن موجودة عند غرفة المشايخ، فهي تقيس النهار بظلها.
ولكن لما كان التشريع مبسطا، ومقدرا للفطرة (أمة أمية) وقت صلى الله عليه وسلم بالأمر العملي؛ لأن أهل الحضر وأهل المدن عندهم التوقيت بالساعات يسهل عليهم، لكن أهل البادية وقت لهم بما يعرفونه بطبيعة حياتهم ومخالطة حيواناتهم، فوقت الضحى عندما ترمض، وهنا: متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟ نجد بعض العلماء يقول: يبدأ وقت صلاة الضحى في الوقت الذي تصح فيه صلاة العيد، لكن لما كانت الشمس تأتي من تحت تكوير الأرض حينما تظهر على الحافة كأنها لاصقة في الأرض، فعندما يرتفع قرص الشمس عن حافة الدائرة قدر الرمح في الهواء، هذا وقت ارتفاع الشمس قدر الرمح، إلى متى يمتد؟ قالوا: إلى ما قبل الزوال، وهذا توقيت الفقهاء رحمهم الله، ويكون التوقيت بـ(حين ترمض الفصال) هو وقتها الأفضل لها، إذا: يكون لوقتها بداية: وهو ارتفاع الشمس قدر الرمح، ونهاية: وهو قبل الزوال، وفضيلة: وهو وسطها عندما ترمض الفصال.
وهناك قد يجد الإنسان بعض التفاصيل بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ( من صلى الفريضة -أي: الصبح- وجلس في مكانه لا يتكلم بشيء من أمور الدنيا حتى أشرقت الشمس، فصلى ركعتين كان كحاج معتمر، ومن صلى ركعتي الضحى كان كمعتمر ) إذا: يوجد صلاة إشراق، وصلاة ضحى! قالوا: اللغة فيها: ضحى وضحى وضحاء، ممدود ومقصور، وقالوا: ضحوة النهار أوله، والضحى وسطه، والضحاء قريب الزوال، هكذا تقول كتب اللغة، فيكون الإشراق أوائل شروق الشمس، وهو أول ما يمكن أن تصلى فيه الضحى لمن كان جالسا بعد الفريضة، وطلعت الشمس، فصلى ركعتين ورجع إلى بيته، يليه بعد ذلك سنة الضحى وهي مستقلة.
وبعض العلماء يقول: سنة الإشراق وسنة الضحى سواء، أو أحدهما تجزئ عن الأخرى، إن صلى الإشراق أجزأته عن الضحى، وإن صلى الضحى أجزأته عن الإشراق، ولكن الإشراق مشروط بأن يصلي الصبح ويبقى في مصلاه، وهذه لها حكمة، لم يقل: في مكانه، لكن: (مصلاه) والمصلى: قد يطلق على اسم المكان الذي هو موضع الصلاة، يعني: صلى في الصف الأول وبقي في مكانه في الصف الأول، ومصلاه يطلق أيضا لغة على عموم المسجد، كقولهم: هذا مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعضهم يقول: مصلاه بالمعنى الضيق المحدد الذي جلس فيه، يعني: لا يقوم ويذهب يدور يمينا ولا يسارا، ولا ينتقل من مكان إلى مكان، وهذا ما يشهد له فعل الصديق رضي الله تعالى عنه، كان يصلي الصبح ويجلس، فإذا ما طرأ له ما يقتضي القيام وضع رداءه، وقال: انتظروا سأعود، فبعض الناس نظر فإذا لا يوجد أحد عنده، فلما رجع قال: تخاطب من بقولك: (انتظروا سأعود) وما عندك أحد؟ قال: عندي، قال: من؟ قال: الملائكة، هم جلساء يسمعون الذكر، وأنا طرأت لي حاجة تجديد الوضوء حتى لا ينصرفون عني ويحسبون أني ذهبت، فأعلمهم أني راجع إن كان لهم رغبة بالبقاء بقوا.
فمعنى في مصلاه أي: المكان الذي صلى فيه، وهذا يدل على الالتزام والمداومة، أما لو كان يطلق المصلى على عموم المسجد فإنه يستطيع أن يذهب هنا أو هنا كأنه ليس عنده ثبات أو استقرار، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.