تحذير الاسلام من الغلو : أسطر

تحذير الاسلام من الغلو

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف خلق الله محمد وعلى آله وصحبه اجمعين


التعريف:

الغلو في اللغة : ارتفاع الشئ ومجاوزة الحد فيه ومنه قوله تعالى ) لا تغلوا في دينكم ( أي لا تجاوزوا المقدار .

وفي الاصطلاح : مجاوزة حدود ما شرعه الله بقول أو فعل أو اعتقاد .



أساليب تحذير الإسلام من الغلو: 

لقد تتابعت النصوص القرآنية، والتوجيهات النبوية بتحذير أمة الإسلام من الغلو في كافة جوانب الشريعة بأساليب متنوعة وطرق مختلفة .



وسوف أذكر أهم هذه الأساليب مدعمة بأدلتها من الكتاب والسنة.

1- التحذير الصريح:

فمن التحذير الصريح الرادع عن الغلو ما رواه ابن عباس –رضى الله عنهما- صلى الله عليه وسلم – قال:" إياكم والغلو في الدين، فإن أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :" وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم".

سبب ورود الحديث:" عن ابن عباس –رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – غداة العقبة وهو على ناقته-" القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثم قال: أيها الناس. إياكم والغلو في الدين .. الحديث".

وقوله :" إياكم والغلو في الدين" عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال.

وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار. وهو داخل فيه فالغلو فيه مثل رمي الحجارة الكبار. ونحو ذلك، بناء على أنه قد بالغ في الحصى الصغار".



2- الاعتبار بالأمم السابقة :

ومن أساليب التحذير من الغلو: الدعوة للاعتبار بالأمم السابقة ومعرفة أسباب هلاكها، وضرورة اجتنابها. 

قال تعالى( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ).

ومن الأم التي ضلت وهلكت: النصارى، وكان من أسباب هلاكها الغلو في الدين، وقد تجلى غلوهم في عدة أمور منها: 

1- تقديس نبي الله عيسى ورفعه إلى مكانة الألوهية .

2- تعظيم أحبارهم ورهبانهم إلى حد العصمة .

3- ابتداع نظام الرهبانية .



قال تعالى (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقلوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فأمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا).



ففي هذه الآية" ينهي الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه..

بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة ، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً أو ضالاً أو رشاداً أو صحيحاً أو كذباً .

ولهذا قال الله تعالى ( اتخذوا من أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم ).



وبنهاهم الله سبحانه وتعالى عن الغلو في موضع آخر بقوله) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل(.

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية :

"أي لا تجاوزا الحد في اتباع الحق، ولاتطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً ".

هكذا هلك النصارى والعلة هي: الغلو في الدين: وذلك يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقاً أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا ، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكاً".



أخرج أبو داود عن أنس- رضى الله عنه- أنه قال : أنه قال : إن رسو الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع".



في الحديث نهي صريح من الرسول الكريم عن سلوك سبيل الغلاة، من التشدد في الدين وبيان سوء العاقبة.

والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطبيات ".

وفي الزهد لابن المبارك من حديث عبد الله بن عمرو موقوفاً:" إن هذا الدين متين فأغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى ".

والنبت : أي الذي عطب مركوبه من شدة السير. مأخوذ من البتر وهو القطع.

أي: صار منقطعاً لم يصل إلى مقصوده، وفقد مركوبه الذي كان يوصله لو رفق به.

وقوله:" أوغلوا " من الوغول وهو الدخول في الشئ.



فهذه دعوة لأخذ النفس برفق وهي تأخذ وتحمل من تكاليف هذا الدين حتى تبلغ مقصودها بلا سآمة ولا ملل، ولا تعب ولا كلل.

فالغالي المشدد على نفسه كثيراً ما يهلك نفسه فتنقطع به عن السير.

لذلك دعانا الرسول الأكرم –صلى الله عليه وسلم- إلى التوسط والاعتدال في السير حتى نبلغ المقصود ولا ينقطع فعن أبي هريرة- رضى الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:" إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة".



وفي رواية له" سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشئ من الدلجة، القصد القصد تبلغوا".

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني:" قوله: فسددوا " أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.

قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل. 

قوله :" قاربوا" أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.

قوله:" وأبشروا " أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل".



يقول النووي: " والغدوة" : سير أول النهار.

" والروحة" : السير أخر النهار.

" والدلجة " السير آخر الليل.

وهذا استعارة وتمثيل ومعناه.



استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم ،كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصود بغير تعبن والله أعلم.



وفي قوله –صلى الله عليه وسلم -:" القصد القصد تبلغوا" إغراء بلزوم طريق الوسط المعتدل فهو العين على بلوغ المقصود، وحصول المصلوب.



ويقول الحافظ ابن حجر في قوله – صلى الله عليه وسلم -: " ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه". أي: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.

قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأي الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع.

وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل.

وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر.

هذه مساوئ الغلو وأضراره : هزيمة وانقطاع وتلك محاسن الوسط وفوائده فوز وبلوغ.



3- توعد الغلاة بالهلاك:

وقد توعد – صلى الله عليه وسلم- الغلاة المتنطعين بالهلاك. فعن عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال:" هلك المتنطعون". قالها ثلاثاً.

قال النووي:" هلك المتنطعون " أي : المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعاله. 

وقال أيضاً:" المتنطعون المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد".



4- وصف الغلو بالاعتداء :

وقد عد الله المبالغة في الزهد والتقشف اعتداء. 

فقال سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)

قال ابن كثير "وقوله تعالى( ولا تعتدوا ). يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف".

وقال الإمام الشاطبي: "وسمى الله تعالى الأخذ بالتشديد على النفس اعتداء".

( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ).

فالتحليل والتحريم، والحظر والإباحة من اختصاص الله وحده.



قال تعالى ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ).

فمن استخدم هذا الحق في أي شأن من الشئون، صغيراً كان أم كبيراً فقد اعتدى على حق الله.

سبب نزول الآية:

لقد نزلت هذه الآيات عندما اتجه بعض الصحابة إلى الغلو في الزهد والتقشف.. ليتخلوا للعبادة فحرموا أكل اللحم، وحرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم.. فنزلت الآيات تنهاهم عن هذا السبيل.



5- تبرؤ الرسول صلى الله عليه وسلم من الغلو والغلاة:

ومن طرق التحذير الرادعة تبرؤ الرسول صلى الله عليه وسلم من مسلك الغلو والغلاة.

فإنه صلى الله عليه وسلم لما علم بأن أناساً من أصحابه عزموا على هجر النساء، وترك النوم، ومواصلة الصوم غضب صلى الله عليه وسلم من هذا النهج وقال: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

"وسنته عليه الصلاة والسلام – تعني: منهجه في فهم الدين وتطبيقه، وكيف يعامل ربه -عز وجل- ويعامل نفسه وأهله، والناس من حوله، معطياً كل ذي حق حقه في توازن واعتدال".



6- التحذير من تكفير المسلم:

قد تزل بالمرء قدمه فيعصي الله ويقصر في حقوقه وهذا شيء لا يقر عليه بل ينبغي أن يؤدي على ذلك، وللتأديب وسائله ومقاديره المشروعة فيجب الالتزام بها، وعدم تجاوزها، لأن التجاوز ضار غير محمود، له آثاره الخطيرة المترتبة عليه.

ومن الأمور الخطيرة، والأحكام القاسية الحكم بتكفير امرئ وتفسيقه بغير حق.



ونظراً لخطورة هذا الأمر فقد حذر الرسول –صلى الله عليه وسلم- أشد التحذير منه، وزجر عنه.



فقال صلى الله عليه وسلم:"لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك".

يقول الحافظ ابن حجر:"والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم".

" وهذا يقتضي أن من قال لآخر : أنت فاسق أو قال له أنت كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور".

وإنه إن كان كما قال لم يرجع عليه شئ لكونه صدق فيما قال.

ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً أن لا يكون آثماً في صورة قوله له أنت فاسق، بل في هذه الصورة تفصيل:

إن قصد نصيحة أو نصح غيره ببيان حاله جاز.

وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه وتعليمه، وعظته بالحسنى .

فمهما أمكنة ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأنه قد يكون سبباً إغرائه وإصراره على ذلك الفعل. كما في طبع كثير من الناس من الأنفة لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة".



7- سد الذرائع:

ومن وسائل الإسلام الرائعة في مقاومة الغلو سد الذرائع المؤدية إليه حتى يبقي الدين وسطاً صافياً لا كدر فيه .

إن " سد الذرائع " قد حفظ لعقيدة التوحيد نقاءها وصفاءها وقوتها وبقاءها خالدة بهذه القوة والصفاء رغم كل المحاولات والمؤامرات التي تريد أن تنفذ من هذا السد المنيع، والحصن الحصين.) والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (.



وسنكتفي هنا بذكر شاهدين على ذلك:

1-نهيه – صلى الله عليه وسلم – على المبالغة في مدحه وإطرائه .



1- نهيه – صلى الله عليه وسلم – عن اتخاذ القبور مساجد .



أولاً: النهي عن الإطراء :

عن أبن عباس سمع عمر – رضى الله عنه – يقول على المنبر :" سمعت النبي صلى الله عليه وسلم – يقول : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله ".

الإطراء : مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه قاله أبو السعادات وقال غيره .

لا تطروني : أي لا تمدحوني بالباطل، أو لا تجاوزوا الحد في مدحي".

ففي هذا الحديث الشريف نهي الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في مدحه، لأنها يريد إلى الغلو ومدعاة للانحراف عن الطريق السوي 

ولنا في تاريخ الأمم السابقة عظات وعبر:

فها هم أولاء النصارى قد هلكوا وضلوا وكان من أسباب ذلك غلوهم في دينهم ومن غلوهم المبالغة في مدح نبي الله عيسى حتى أضفوا عليه صفات الألوهية وعبدوه. 

ومن الحرص الكامل للرسول صلى الله عليه وسلم على حماية التوحيد، مقاومته للمدح والمداحين فعن أنس رضى الله عنه " أن أناساً قالوا : يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا . فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستهويكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ".

وقال صلى الله عليه وسلم في المداحين :" إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب".

بهذا النبي الشديد سد الرسول- صلى الله عليه وسلم طريق الغلو . 

ينبغي الإشارة في هذا المقام إلى أن النهي عن الإطراء والمبالغة في المدح لا يعني التقليل من توقيره صلى الله عليه وسلم وتعظيمه كلا .. كلا .

فإن للتوقير معالمه ووسائله المشروعة المعروفة من الحب والكامل والسير على نهجه والتمسك بسنته، والعمل بشريعته والذب عنها،والتضحية بكل غال وثمين من أجلها.

لكن هناك أناساً شق عليهم التوقير المشروع فلجأوا إلى التوقير غير المشروع فنسجوا قصائد مطولة وأشعاراً مرسلة في المديح المجاوز للحد أي لا يرضى به رسول الله .

فمن ذلك قول البوصيري في مدح سيد المرسلين:

يا أكرم الخلق مـالي من ألوذ به *** ولن يضيق رسول الله جاهك بي 

سواك عند حلول الحادث العمم *** إذا الكـريم تحلى باسـم منتقم 

وقوله : 

فإن من جودك الدنيا وضرتتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

ومن شعر البرعي قوله : 

وحل عدة كربي يا محمـد من *** أرجوك في سكرات الموت تشهدني

وإن نزلت ضريحاً لا أنيس بـه *** وارحم مؤلـفها عبد الرحيم ومن

وإن دعـا فأجبـه واحم جانبه *** هم على خطرات القلب مـطرد

كيما يهون إذ الأنفاس في صعد *** فكن أنيـس وحيد فيه منـفرد

يليه من أجله وأنعشـه وافتـقد *** من حاسـد شامت أو ظالم نكد



هذه نماذج يسيرة من الإطراء الخارج عن الحد، إذا سمعها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أو أحد الأصحاب فسيحثو في وجوه قائليها التراب، وهذا أهون عقاب.

كيف لا ؟

وقد فزع- صلى الله عليه وسلم – عندما سمع أقل من ذلك بكثير جداً .. فقد روى الطبراني باسناده عن عبادة بن الصامت – رضى الله عنه -:" إنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال – النبي صلى الله عليه وسلم -:" إن لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".



وهكذا فزع الرسول – صلى الله عليه وسلم من هذا اللفظ " نستغيث برسول الله " وكره أن يستخدم في حقه علماً بأنها استغاثة فيما يقدر عليه وفي حياته … ومع ذلك أرشدهم إلى الأدب الكامل في استخدام الألفاظ. فماذا لوسمع – صلى الله عليه وسلم – إطرآت هؤلاء الشعراء؟ اللهم ألهمنا رشدنا.



ثانياً : النهي عن اتخاذ القبور مساجد :

لقد حذر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أمته من مزالق تهوي بهم وتطرحهم عن سواء الصراط . ومن ذلك: اتخاذ القبور مساجد.

فلقد نهى الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك نهياً شديداً وشدد النكير على فاعليه.

فعن جندب قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم – قبل أن يموت بخمس وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل . فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذ من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبول مساجد. إني أنهاكم عن ذلك ".

والأحاديث في هذا الباب كثيرة .

فلقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد لأن ذلك يفضي إلى الغلو فيهم وعبادتهم ولنا في تاريخ الأمم السابقة عظات وعبر والسعيد من اتعظ بغيره، ومن جرب المجرب فعقله مخرب.

فكيف وقع قوم نوح في الشرك والضلال؟

وبماذا هلك اليهود والنصارى ؟

ويقول تعالى عن قوم نوح( وقالوا لا تذرن إلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا ).

قال ابن جرير :" ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر" كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : 

لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم ".

بهذا ضلت الأمم السابقة : تعظيم يفوق الحد، ثم بناء قبور وعكوف عليها ثم عبادة .

وفي هذا العصر وما سبقه من عصور قد وقع من ذلك الشئ الكثير. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير.

baraa

براء علي

أحدث التعليقات