ما هو عدد المصلين الذي تنعقد به صلاة الجمعة : أسطر في الإسلام

ما هو عدد المصلين الذي تنعقد به صلاة الجمعة

العدد الذي تنعقد به الجمعة وخلاف العلماء فيه
قال المصنف رحمه الله: [وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( كان يخطب قائما، فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ) رواه مسلم ] .

شرح حديث جابر وآية الجمعة في حضور التجارة والانفضاض عن الخطبة
هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه يبين لنا أمرين: الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما، وسيوضح المؤلف رحمه الله تعالى كيفية هذا القيام والجلوس بين الخطبتين.
والأمر الثاني من هذا الحديث ما يتعلق بمجيء العير -والعير: هي الإبل تحمل البضاعة- فانفض الناس إليها، وانفتلوا أو انصرفوا إليها، ولم يبق إلا اثنا عشر رجلا، وهذا الجزء من هذا الحديث هو موضوع عدد من تنعقد بهم الجمعة، والأصل في هذه القضية ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بمجيء العير وقت الخطبة، وكانت الخطبة في ذلك الوقت بعد الصلاة، كما هو الحال في العيدين، وقد بين القرآن الكريم هذه الواقعة، ثم وضحها النبي صلى الله عليه وسلم.
واستدلال العلماء بعدد اثني عشر رجلا هو لما جاء في هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى منهم ذلك قال: ( لو انفضوا جميعا لسال بهم الوادي نارا )، فقالوا: إن أقل ما دفع عنهم أن يسيل بهم الوادي نارا هو العدد اثنا عشر رجلا، وعليه فلا تنعقد الجمعة بأقل من اثني عشر رجلا، أما مناقشة هذا العدد فستأتي بعد الكلام عن الآية الكريمة في قوله سبحانه: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } [الجمعة:11] فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } [الجمعة:11] كان من عادة أهل المدينة إذا قدمت عير بتجارة أن تدق لها الطبول إيذانا بقدومها، فيحضر التجار ومن يريد الشراء، فصادف مجيء تلك العير قيام الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته، فما ظن أولئك الذين انصرفوا عن رسول الله أنه بقي عليهم واجب الانتظار؛ لأنهم لما صلوا الجمعة حسبوا أن الجلوس لسماع الخطبة من باب النافلة وليس بلازم عليهم، وهذا هو المظنون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك دفعا لما يتوهمه متوهم، وما يغمز به أصحاب الأهواء بأن الذين انفضوا من المنافقين.
وقد يستدل لما يقوله أصحاب هذا الرأي بما جاء بعد سورة الجمعة، حيث جاء الحديث عن المنافقين، وهذا ليس بصحيح، لكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انقضت الصلاة، ولم يبق إلا الخطبة ظنوا أنه ليس عليهم حرج في أن ينصرفوا ما داموا قد أدوا الصلاة.
ونلاحظ هنا قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } [الجمعة:11]، وهم في المسجد لم يروا، واللهو لا يرى، وإنما يسمع، ولكن التعبير شمل الإدراك؛ لأن الرؤية أقوى أنواع الإدراك.
كما أنه ذكرت التجارة واللهو، وأعيد الضمير على مفرد أحد الأمرين المذكورين وهو التجارة: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا } [الجمعة:11]، ولم يقل: (إليهما).
ولم يقل: (إليه)، بل قال: (إليها)، وضمير التأنيث هنا عائد على التجارة، فقالوا: لما كانت التجارة هي الأصل واللهو تابعا لها للإعلام عنها كانت هي الأهم، فعاد الضمير عليها، ويلاحظ نظير ذلك في قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة } [التوبة:34]، فلم يقل: (ينفقونهما) أو (ينفقونه) فأعاد الضمير على الفضة.
وهنا يتساءل إنسان: الذهب أهم من الفضة، فلم لم يعد الضمير عليه، أو عليهما معا؟ والجواب: أن هذا من بلاغة القرآن وإعجازه؛ لأنا لو نظرنا إلى الكنز عند الناس لوجدنا أكثر من يكنز هم أصحاب الفضة؛ لأن الفضة أكثر تناولا وأرخص قيمة، ويمكن أن يكنزها الغني والفقير كما يقال، لكن الذهب مختص بكبار الأغنياء، فكان الوعيد في كنز النقدين، فإذا توجه إلى الأقل كان الأكثر من باب أولى، فعود الضمير على أحد المتماثلين المقترنين يكون لسر في هذا التعبير، وقد تبين لنا في الذهب والفضة عود الضمير على الفضة؛ لأنها أكثر شمولا؛ ولأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان الذي يكنز الفضة متوعدا فالذي لا ينفق الذهب من باب أولى.
وهنا كانت التجارة هي الأصل، واللهو إنما هو تابع لها للإعلام عنها، فرجع الضمير إليها.
انظر إلى ما بعدها في المغايرة، حيث قال تعالى { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة } [الجمعة:11]، فقدم هنا اللهو على التجارة؛ لأن المنفضين جاء بهم سماع اللهو، وهو دق الطبول، فقال تعالى: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة } [الجمعة:11] أي: التي خرجتم من أجلها، واستدعاكم إليها سماع اللهو.
ثم قال تعالى: { والله خير الرازقين } [الجمعة:11]، أي: إن كنتم تطلبون الربح والرزق في هذه التجارة وتركتم رسول الله قائما فما عند الله ببقائكم عند رسول الله تستمعون إليه خير: { والله خير الرازقين } [الجمعة:11].

أقوال العلماء في العدد الذي تنعقد به
ويهمنا في هذا الحديث أن المؤلف رحمه الله وغيره يسوقونه للاستدلال على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر شخصا.
أما موضوع المسألة من حيث هي فكما يقول الشوكاني و ابن حجر نفسه في فتح الباري وغيرهما: تعددت الأقوال والمذاهب فيها إلى نحو عشرين قولا.
ولكن ينبغي التنبيه على ما هو الواجب في هذا المقام؛ لأننا وجدنا أقوالا منها ما هو بين الأئمة الأربعة رحمهم الله، ومنها ما هو خارج عن كلام الأئمة الأربعة، ولولا ما حصل من الالتباس على بعض طلبة العلم في هذه القضية ما أوردنا كل التفصيلات فيها، ولكن سبق أن نبهنا على هذا الموضوع في تتمة أضواء البيان عند هذه الآية الكريمة.
يقول العلماء: اختلف الناس فيمن تنعقد بهم الجمعة، واختلفوا فيمن تسقط عنه.
أما بمن تنعقد فإن الجمهور يسقطونها عن المرأة، ويختلفون في العبد، ويتفقون في المريض، ويختلفون في المسافر، فهم أربعة أصناف: العبد والمرأة والمريض والمسافر، فالبحث في العدد خارج عن هذه الأصناف الأربعة؛ لأنها موضع خلاف.
فهناك من يقول: تصح بالواحد كصلاة الفرض؛ أي: كالصلوات الخمس.
ولولا وجود هذا القول ما كان للتنبيه عليه مكان، ولا يساوي الحبر الذي كتب به.
وهناك من يقول: تنعقد باثنين، كأقل ما تنعقد به الجماعة في الصلوات الخمس، وهذا يلحق بالذي قبله.
وهناك من يقول: تنعقد بثلاثة حتى قيل: المؤذن والإمام وشخص ثالث.
وهناك من قال: بثلاثة سوى الإمام ويقولون: قال تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا } [الجمعة:9]، والواو هنا للجماعة أو للجمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وهناك من يقول: بأربعة.
وهناك من يقول: بعشرة.
وهناك من يقول: باثني عشر.
وهناك من يرجع إلى العدد الذي بقي في هذه الواقعة، وهو اثنا عشر، أو ثمانية، أو أربعة عشر.
وهناك من يقول: عشرون رجلا ويعزونها رواية لـ مالك .
وهناك من يقول: أربعون رجلا وهو مذهب الشافعي مصرح به.
وهناك من يقول: ليس في انعقاد الجمعة ووجوبها عدد محدد، وإنما تجب على كل جماعة استوطنوا قرية، ويقومون بشئون أنفسهم، ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم مما يرد عليهم من أعداء، وهذا هو القول الثالث عن مالك رحمه الله.

مناقشة أدلة القائلين بتحديد العدد الذي تنعقد به الجمعة
ويتفق العلماء على أنه لا يوجد نص صحيح صريح يحدد عدد الذين تجب عليهم الجمعة وتصح منهم، ولذا يرجح عامة الفقهاء ما ذهب إليه مالك رحمه الله.
وكذلك نرجع إلى وجهة نظر من قال بالثلاثة كما أشرنا، وبعضهم يعزو ذلك لـ أبي يوسف و محمد ، أو الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا غير صحيح.
والذين قالوا بثمانية أو بعشرة أو باثني عشرة يختلفون في العدد الذي بقي عند سماع اللهو والتجارة والرسول صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فمن ثبت عنده ثمانية، قال: أقل ما يكون ثمانية.
ومن ثبت عنده عشرة قال بالعشرة، ومن قال: كانوا اثني عشر قال: أقله اثنا عشر.
والجواب عمن استدل بذلك بإجماع الأصوليين وعلماء الحديث، حيث يقولون: هل الرسول قال لا تصح إلا باثني عشر؟ إنما قال: ( لو انفضوا جميعا لسال بهم الوادي نارا ).
فهؤلاء أخذوا من ذلك أن أقل ما يقع به الواجب -وهو انعقاد الجمعة- هذا العدد الذي بقي، ويقولون: إنها قضية عين؛ إذ كان من الممكن أن يبقى عشرون أو ثلاثون أو خمسة، فليست هناك قاعدة، وليس هناك ما يفهمنا ويوحي إلينا بأن عددا معينا كان ينبغي أن يبقى.
فما دامت هذه الاحتمالات قائمة فلا ينبغي التعويل على اعتماد العدد الذي بقي أنه أقل ما تنعقد به الجمعة، أما الذين قالوا بأربعين فلأنه العدد الذي كان في أول جمعة جمعت بالمدينة، وفي سبب إقامة أول جمعة اختلاف.
فقيل: بسبب مصعب بن عمير ، وقيل غيره، وقيل: إن المهاجرين الأولين قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رأوا اليهود يجتمعون في يوم سبتهم ويقرءون الزبور، فقالوا: لو اتخذنا يوما نجتمع فيه ونذكر الله! فاجتمعوا وصلوا ركعتين وذكروا الله، فسموا ذلك اليوم يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فقيل لبعضهم: كم كنتم؟ قال: كنا أربعين رجلا، فقالوا: هذه أول جمعة أقيمت بالمدينة وكان العدد أربعين! فيقال أيضا: هل هذا تحديد من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإن هذا العدد الذي حصل كان يمكن أن يزيد ويمكن أن ينقص، فكونه صادف وجود أربعين رجلا ليس بحجة ولا دليل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة أربعون رجلا، بل في بعض الروايات أن الذي جمع لهم ذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها.
وأعتقد أن الشاة لا تكفي لغداء وعشاء أربعين رجلا ولا عشرين رجلا، فالمسألة تدور على تقدير العدد.
وناحية أخرى هي لو سلم أنهم كانوا أربعين، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا اجتمعتم أربعين فصلوا الجمعة؟ وبعض الروايات فيها مقال، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم من مكة أن اجتمعوا أو اتخذوا يوما تجتمعون فيه تذكرون الله، فاتخذوا ذلك اليوم، ولم يحدد عددا، فالذين قالوا بواحد أو بثلاثة ليس لهم إلا استدلال لغوي لا دخل له في الأحكام الشرعية.
ومن قال بالعشرة أو بالثمانية أو بالاثني عشر كل ذلك مرتبط بقضية الذين انفضوا عن رسول الله وبقي هو في المسجد يخطب، والذين قالوا بعشرين أو قالوا بثلاثين -كما روي ذلك عن مالك رحمه الله- إنما اختلفوا في العدد.
وكذلك الذين قالوا بأربعين، فقد بنوا على أول عدد انعقدت أو صليت به الجمعة، قالوا: الذين حضروا آنذاك كان عددهم أربعين رجلا، وعلى هذا لم يكن في تحديد العدد نص صحيح صريح في أي ديوان من دواوين السنة.

القول الراجح في العدد الذي تنعقد به الجمعة
بقي القول الأخير، وهو لـ مالك رحمه الله، وهو المروي عنه والثابت في مذهبه، وهو أن الجمعة تجب على كل جماعة مستقرة، بخلاف البدو الرحل، وبخلاف الجماعة المسافرين، بدلالة يوم عرفة؛ حيث توفر عدد كبير في يوم حجة النبي صلى الله عليه وسلم قدر بأكثر من عشرة آلاف حاج، ومع ذلك لما لم يكن مستقرا، ولم يكن مقيما، وكان له حكم المسافر ما صلى الجمعة، وكانت الوقفة يوم الجمعة.
فمن تنعقد بهم الجمعة هم قوم استوطنوا قرية، أي: البيوت الثابتة، وبعضهم يشترط ألا يكونوا في الخيام، أي: أن تكون البيوت مبنية ثابتة في الأرض ليست للرحيل حينما تأتي الحاجة.
فإذا اجتمع جماعة يمكنهم الدفاع عن أنفسهم إذا هجم عليهم وحش أو غيره، فإنهم يعتبرون أهل قرية مقيمين، وحينئذ يقول مالك رحمه الله: إن كثروا أو قلوا فإن عليهم صلاة الجمعة ما داموا لا يرحلون صيفا ولا شتاء.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات