تاريخ المنبر النبوي و حكم صلاة الجمعة : أسطر في الإسلام

تاريخ المنبر النبوي و حكم صلاة الجمعة

صلاة الجمعة شعار عظيم في الإسلام، ولذلك اختلفت عن بقية الفرائض، فاختصت باشتراط الجماعة لها والعدد المعين والمكان، وغير ذلك.

تاريخ المنبر النبوي


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [عن عبد الله بن عمر و أبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) ].
يسوق المؤلف رحمه الله تعالى عن هذين الصحابيين الجليلين أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لينتهين أقوام)، وكان يمكن أن يأتي الحديث على صورة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لينتهن)، ولكنهما أتيا بصورة مصورة مشخصة، حتى لكأن السامع ينظر إلى صورة إلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها على المنبر، فأتيا بهذه الصورة المجسمة أمامنا وكأننا في حمى منبر رسول الله، أو بجواره نصغي السمع إليه صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الأسلوب من أساليب التأكيد والتوثيق؛ ليوثقا للسامع أنهما سمعا وضبطا الحديث بملابساته واقعا وفعلا، فليس هو مجرد سماع أو نقل عن غيرهم، بل هو سماع مباشر على أعواد منبره، أي: أنه قاله في جمع من المسلمين ملتفين حول المنبر، فكان هذا مشهورا متواترا عظيم الشأن سمعه الجميع.
وقولهما: (على أعواد منبره) تحقيق للواقع أيضا؛ لأن المنبر أول ما صنع من أعواد، وكما جاء في تاريخ المنبر أنه صنع في السنة الثامنة من الهجرة بعد وقعة خيبر، وكان من شأنه أيضا أنه كان مدرسة، فهذا المنبر صدر عنه ما لم تصدره أعظم منصة جامعية في العالم، فكم من قضية عالجها رسول الله على المنبر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه إذا حزب أمر أو استجد أمر قال: (احضروا المنبر) فيحضرون إليه.
وقد صعد صلى الله عليه وسلم على المنبر، وقام للصلاة ثم ركع وهو على الدرجة الثالثة، ثم نزل القهقرى فسجد سجدتين، ثم رجع إلى المنبر، وهكذا، ثم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ، فاستخدم المنبر منصة لتعليم الناس كيفية الصلاة، وهي أهم شيء في الدين، وهكذا كثير من القضايا، وكنت أتمنى أن أجد طالب علم جامعي يتتبع قضايا المنبر النبوي وما عولج عليه من قضايا، فيقدمها إلينا أثرا لهذا المنبر الشريف.
ويكفي في تاريخه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ أو يستند على جذع من جذوع النخل؛ لأن المسجد في أول بنائه قبل أن يجدد في السنة السابعة كان من جذوع النخل وجريده، فكان بعض أجزائه في القبلة يستند إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان يطول قيامه جاءت امرأة من الأنصار وقالت: يا رسول الله! إن لي غلاما صناعا -أي: نجارا- ائذن لي أن آمره فيصنع لك منبرا تجلس عليه وأنت تخطب فأذن لها، وفي مدة ثمان سنوات ما خطر على بال أحد أن يصنع منبرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لكونه طلبا لنفسه، فمجيئه من غيره أفضل، فذهب الغلام وأخذ أعوادا من الغابة بالمدينة، وجاء وصنع المنبر من أعواد، وكان ثلاث درجات، درجة يصعدها، ودرجة يقف عليها، ودرجة يجلس عليها، وهكذا ظل المنبر إلى أن احترق في حريق المسجد الأول، وبالله تعالى التوفيق.
فكان صلى الله عليه وسلم يخطب على الجذع بادئ الأمر، ثم صنع المنبر ووضع في مكانه اليوم، ومن الحكمة أن المنبر في موضعه لم يتحرك شرقا أو غربا، ولا شمالا ولا جنوبا، ولكن امتد طوله من الجنوب إلى الشمال؛ لأنه الآن أصبح فوق عشر درجات أو اثنتي عشرة درجة، فالامتداد كان إلى الأمام، وأما صدر المنبر وظهر المنبر من القبلة فهو بالأصبع في مكانه الأول.
ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ليخطب، فما أن بدأ الخطبة على المنبر والجذع في مكانه حتى حن الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمع جميع من في المسجد حنينه كحنين الناقة العشراء.
فيا لها من معجزة! جذع له ثمان سنوات مقطوع من أصله ملقى على الأرض أصبح جمادا يحن لرسول الله ويسمع الجميع حنينه.
ومن هنا قال السيوطي رحمه الله: ما من معجزة أوتيها نبي إلا وأعطي النبي صلى الله عليه وسلم مثلها.
فمعجزة موسى عليه وعلى نبينا السلام العصا يتوكأ ويهش بها الغنم، قال تعالى لموسى: { ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى } [طه:19-20]، فانقلبت من جماد يابس إلى حيوان تهتز كأنها جان، أي: لشدة حركتها وسرعتها، قال تعالى: { خذها ولا تخف } [طه:21].


وضرب بها البحر ليكون فيه طريق في البحر يبس.
فإن كان موسى أعطي حياة العصا بمعجزاتها فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم حياة الجذع يحن ويسمع الجميع صوته، وعصا موسى ما تكلمت ولا سمع لها صوت، لكن كانت لها حركة، فهذه المعجزة تساوت مع معجزة موسى عليه السلام، وهناك أشياء عديدة.
فينزل صلى الله عليه وسلم عن المنبر إلى الجذع، ويربت عليه ويضمه إلى صدره كما تفعل الأم بطفلها، ويقول: ( أنت مخير: إن شئت أخذتك وأعدتك إلى البساتين وغرستك وعدت نخلة تثمر وتينع، وإن شئت دفنتك هاهنا وكنت من غرس الجنة )، فقال: (أكون من غرس الجنة)، فالجذع يؤمن بالجنة وأصحاب العقول المغلقة لا يؤمنون بها!! فيدفنه صلى الله عليه وسلم بأصل المنبر في الروضة.
فهذه قضية المنبر، وهاهو أبو هريرة و عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدثان أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد منبره.
ومن فضائل هذا المنبر قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة )، والترعة لا يعلم عرضها وطولها ومصبها إلا الله تعالى، فهي أمر غيبي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، ويكفينا أن الجذع آمن بالجنة وأحب أن يكون من أهلها.

صلاة الجمعة فرض عين
ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام) -فأكد الفعل، ولم يسم أحدا، والأقوام: جمع قوم (عن ودعهم) أي: تركهم (الجمعات)، وفي لفظ: (الجمعة) بالإفراد، والجمع جاء فيه أيضا: ( من ترك الجمعة ثلاث مرات بغير عذر طبع الله على قلبه )، فجاء التحذير من ترك الجمعة مرة واحدة، وجاء التحذير من ترك الجمعة ثلاث مرات، فحديث الباب يقول فيه صلى الله عليه وسلم: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين )، فهم إما أن يتركوا ذلك، أو يكون الجزاء الختم على القلوب.
وهذا -والعياذ بالله- من وصف المنافقين الذين قال تعالى فيهم: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة:7]، فهو وعيد شديد يتوعد به النبي صلى الله عليه وسلم الذين يتركون الجمعة، فإما أن ينتهوا عن تركهم الجمعات، وإما أن يكون العقاب الختم على قلوبهم، والقلب إذا ختم عليه يكون الأمر ما جاء في قوله سبحانه: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [المطففين:14].
يقول العلماء: إذا أذنب العبد ذنبا ولم يستغفر منه نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم لا يزال يذنب وتأتي نكتة إلى نكتة حتى يغلف القلب ويصبح كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
فإذا ختم على القلب شبه بالإناء الذي ختم فوه فلا يسمح بدخول خير ولا يخرج منه شر؛ لأنه ختم على الشر فلا يخرج الشر منه ويظل صاحبه في شر دائما، ولا يدخل الخير إليه لأنه لا طريق لدخوله، فهذا وعيد شديد لمن لم ينته عن ترك الجمعة.
والقلب هو محل الذكر، وهو محل التذكر، وهو محل الإدراك، وهو محل الارتباط بالله سبحانه وتعالى، فإذا ختم عليه صار غافلا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، وحينئذ تكون البهائم خيرا منه؛ لأن قلوبها تدرك، ويكفي أن الجذع أدرك وآمن بأن هناك جنة.
وقد جاء في فضل يوم الجمعة من رواية مالك في الموطأ: ( وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر حتى شروق الشمس إشفاقا من يوم القيامة )، فالبهيمة في يوم الجمعة تصيخ بسمعها من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مخافة يوم القيامة.
فالحيوانات تؤمن بالبعث، وتؤمن بيوم القيامة وتنتظره، وتعلم أنه في يوم الجمعة، وهؤلاء -عياذا بالله- إذا ختم على قلوبهم لا يدركون شيئا من ذلك، وأصبحوا من الغافلين.
الوعيد الشديد لا يكون إلا على ترك واجب.
ولذلك نقول: إن صلاة الجمعة فرض عين عند الأئمة الأربعة، وإن وجد من بعض أتباع بعض الأئمة من يقول بغير ذلك فمردود عليه من علماء مذهبه.
وهناك من يقول: صلاة الجمعة سنة مؤكدة، وهناك من يقول: فرض كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وكل من قال شيئا من ذلك فإن من علماء مذهبه من يرد عليه، ويأتي بنصوص الإمام بأن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم، وكما في صحيح مسلم: ( صلاة الجمعة فرض على كل من سمع النداء )، ثم يأتي هذا العموم فيخصص منه المرأة والعبد والمريض والمسافر فتسقط عنهم الجمعة، وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك مجال للتساهل فيه.
وأجمعوا على أن الجمعة هي فريضة يومها وليست نيابة عن الظهر، ولكن من فاتته صلاة الجمعة بشروطها ولا يستطيع أن يتداركها؛ لأن الجمعة يشترط فيها المسجد والجماعة والعدد والخطبة، فإذا فاتت فإنه لا يستطيع أن يأتي بخطيب يخطب له، ولا بعدد من الناس يصلون معه، فلم يبق إلا أن يصلي الظهر لعجزه عن الجمعة وإدراك ما فات منها.
وقد يستغرب إنسان أو يريد الاطلاع على الرد على من يقول بأن الجمعة سنة مؤكدة أو فرض كفائي أو غير ذلك، والجواب عليه من علماء مذهبه، فليرجع إلى تتمة أضواء البيان عند آية الجمعة فإنه سيجد ما تيسر من النقول من كل مذهب ممن يقول بالوجوب، ومن يقول بغير ذلك، والرد عليه من أئمة مذهبه بذاته، وبالله تعالى التوفيق.

وقت صلاة الجمعة
قال المصنف رحمه الله: [وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به ) متفق عليه، واللفظ للبخاري ].
هذا شروع في بيان وقت الجمعة، فيقول سلمة : ( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به ).
ومن المعلوم أن الظل قسمان: ظل قبل الزوال يمتد إلى الغرب، وظل بعد الزوال يمتد إلى الشرق، فيقول: ننتهي من الصلاة ونخرج وليس للحيطان ظل، أما ظل الغرب الذي قبل الزوال فليس بموجود، وأما ظل الشرق الذي بعد الزوال فلم يوجد بعد فيكون هذا في وقت الزوال.
والمصنف يأتي بهذا لأنهم يبحثون في وقت الجمعة، فهناك من يقول: الجمعة عيد من أعياد المسلمين، فوقتها وقت صلاة العيد إلى ما بعد الزوال.
والجمهور يقولون: إن وقت الجمعة هو بعينه وقت الظهر، والظهر لا يجب ولا يصح إلا بعد الزوال وهذا من أدلة الجمهور على هذا التوقيت، أي: أنها بعد الزوال كما هو الحال في الظهر.
وهذا الحديث يبين أمورا تقريبية؛ لأن ظل الزوال عند الجمهور يختلف باختلاف فصول السنة، فهو في الشتاء يختلف عنه في الصيف، فإذا تساوى الليل والنهار فإن ظل الزوال يتلاشى، وإذا طال النهار يطول الظل، وإذا قصر النهار يقصر الظل -أي: ظل الزوال- ولذا يقول الفقهاء في توقيت العصر: هو حين يصير ظل كل شيء مثليه ما عدا ظل الزوال، فظل الزوال أمر نسبي، فقد يطول وقد يقصر، ولكن الراوي يبين لنا تقريبيا متى كانوا يصلون الجمعة.
[وفي لفظ لـ مسلم : ( كنا نجمع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء )].
هذه رواية صحيحة، ومعنى: (كنا نجمع معه) يعني: كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ننصرف نتتبع الفيء، والفيء: هو الظل بعد الزوال تقول: فاء إلى الشيء: إذا رجع إليه، ولذا قالوا الظل بعد الزوال فيء؛ لأنه قبل الزوال كان الظل إلى الغروب، وبعد الزوال فاء ورجع إلى الشرق.
[وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ( ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ) متفق عليه].
هذا يعتبر صورة من صور المجتمع في ذلك الوقت فقوله: (ما كنا نقيل) أي: نوم القيلولة، (ولا نتغدى) الغداء: الأكل في غدوة النهار.
وفي وبعض الروايات: ( ولا نريح رواحلنا -أي: التي تعمل في البساتين- إلا بعد الجمعة )، وهذا فيه إشارة إلى التبكير قبل الزوال، ولكن لما جاء النص: ( نجمع بعد الزوال ) انتهينا من هذا الإشكال.
فقوله: ( ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة )، وفي رواية: ( في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يبين لنا أن هذا العمل كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه هو الذي كان يصلي بهم الجمعة ولا جمعة إلا في مسجده وبإمامته صلى الله عليه وسلم، فهذا هو التوقيت الذي نقل إلينا من فعله صلوات الله وسلامه عليه، ونعلم جميعا أن الجمعة في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين جميعا ما تعددت، ولا أقيمت إلا في هذا المسجد النبوي الشريف، حتى إن أهل العالية وما وراءها كانوا يأتون إلى الجمعة في هذا المسجد، ولم يسمح لهم بجمعة في ديارهم، ولا على مياههم.

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات