صلاة المريض قاعدا : أسطر في الإسلام

صلاة المريض قاعدا

جواز القعود للمريض في الصلاة إن عجز عن القيام
قال المصنف: [ وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: ( كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ) رواه البخاري ].
بدأ المؤلف بالشطر الثاني من العنوان: (صلاة المسافر والمريض) ونبهنا في الأول على أنه جمعهما لجامع رفع المشقة، لأن قصر الصلاة وجمعها تخفيفا على المسافر ورفعا لمشقة السفر، وكذلك التخفيف على المريض في أداء الصلاة.
وفي الحديث أن الرجل اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن عنده بواسير -عافانا الله وإياكم- وهي قد تحول دون القيام أو الركوع، وهذا كمثال فقط، وإلا فمراحل هذا المرض عياذا بالله متفاوتة، فقد يكون في بدايته لا يعيق الإنسان عن أي شيء، وقد يكون مشتدا، وقد يؤدي إلى نزيف.
وهنا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (صل قائما) لاحظوا في الجواب هو شكا إليه يطلب التخفيف أو الرخصة، فيأتيه صلى الله عليه وسلم بالمبدأ ويبني عليه، فيقول: (صل قائما) أي: هذا هو الأصل، فإن لم تستطع القيام فصل قاعدا، فإن لم تستطع قائما ولا قاعدا فعلى جنبك.
يقولون باتفاق: يصلي على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة، فإن لم يستطع على جنبه فمستلقيا على ظهره، وإذا كان مستلقيا على ظهره فقدماه إلى القبلة ورأسه إلى عكسها؛ لأنه إذا كان القدمان إلى القبلة فاستطاع أن يجلس أثناء الصلاة سيستقبل القبلة، والله تعالى أعلم.

زيارة النبي صلى الله عليه وسلم للمرضى
قال المصنف: [وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: ( عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك ) رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه ].
وهذا الحديث أيضا في صلاة المريض، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا لم يسمه الراوي لنا، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعود المرضى، ولم يقتصر ذلك على أصحابه رضوان الله عليهم، بل عاد خادما له كان يهوديا كما جاء في الخبر: أنه تأخر عنه غلامه اليهودي فسأل عنه، فقالوا: إنه مريض، فقال: قوموا بنا نعوده، وذهب صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى هذا الغلام الخادم، فوجده في ساعته الأخيرة، فجلس إلى جنبه وقال: ( يا غلام! قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه اليهودي عند رأسه، فقال اليهودي لولده، يا بني! أطع أبا القاسم، فنطق بالشهادتين ومات في الحال، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تولوا أنتم أمر صاحبكم ).
انظر إلى عظمة الإسلام! في آخر لحظة من حياته، وفي آخر نفس من أنفاسه، ينطق بالشهادتين، فتثبت له الصحبة لرسول الله صلى الله، والأخوة للمسلمين، وانقطع ما بينه وبين أبيه.
المانع عظيم جدا: (تولوا أنتم أمر أخيكم) متى كان أخي وهو يهودي! ولكن: بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله) صار أخا لنا، وانظروا كم في هذه الزيارة من البركة، حيث أنقذ الله بها إنسانا من النار ونقله إلى الجنة، ولم يركع ركعة ولم يسجد سجدة لله.
إذا: كان صلى الله عليه وسلم يعود المرضى، وهذا منه صلى الله عليه وسلم فيه تألف لغير المسلمين، وبيان مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم.
يذكر ابن شبة في تاريخ المدينة: أنهم أول مجيء المهاجرين في الهجرة كانوا إذا مرض الواحد من المسلمين واشتد به المرض واحتضر، آذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه إلى بيته، وحضر تغسيله وصلى عليه، ثم يذهب معهم لدفنه، فقالوا: لقد أكثرنا على رسول الله وشققنا عليه، لو أننا تركنا إخباره وقمنا على ميتنا فجهزناه ونقلناه إلى رسول الله يصلي عليه في بيته، فتركوا الإخبار، وكانوا يجهزون الموتى ويأتون بهم، ويضعون الجنازة في الجهة الشرقية من المسجد -وتسمى إلى الآن: مصلى الجنائز، ودرب الجنائز أي: الطريق الذي يأتي من قبلي المسجد- وتوضع في فرش الحجر، وهو السور الموجود الآن حاليا ما بين باب جبريل وباب البقيع الجديد، فكانوا يأتون ويضعون الجنازة ويخبرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج ويصلي على ميتهم.
إذا: كان صلى الله عليه وسلم يذهب إليهم في بيوتهم، وهذا فيه من جبر الخاطر وتطييب النفس الشيء الكثير.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات