حب العبد لله تعالى : أسطر في الإسلام

حب العبد لله تعالى

أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة

1- أعلى انواع الحب و منشؤه :

الحب عاطفة كريمة و شعور راق نبيل .

و اعلى انواعه محبة الله .

و إنما تنشأ هذه المحبة المحبة بإثارة القوى العقلية و الروحية و عمق النظر في ملكوت السموات و الأرض و حسن التدبر لآيات  القرآن و كثرة ذكر الله و استحضار اسمائه الحسنى و صفاته العيا .

و متى رسخت هذه المحبة رسخت هذه المحبة و عمقت جذورها كان الله هو الغاية و ىثره المرء على كل شيء و ضحى من اجله بكل شيء لأنه يجد من حلاوة الايمان و لذة اليقين و حسن الصلة بالله ما تصغر به ,بل تحقر جميع الذائذ في جانبها .

روى البخاري و مسلم عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يقذف في النار ) .

و هذا من علامة صحة النفس و سلامة القلب فإنه لا  كمال للإنسان إلا بمعرفة جمال الله و جلاله و استشعار بره و احسانه و رؤية آلائه و نعمائه و شهود رحمته و حكمته .

و متى كان ثمة شيء أحب إلى النفس و آثر لديها من الزلفى إلى الله و طلب القرب منه فهي مازالت مريضة و ما زال الايمان ناقصا .

يقول الله سبحانه :  قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة : 24)

و الله سبحانه و تعالى أثبت هذه المحبة للمؤمنين فقال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) .

و قال : (  فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )

 و حبب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحب فقال : ( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة و أحبوني لحب الله إياي ) 

و كان يضرع إلى الله و يسأله ان يهبه هذا الحب .

فما حفظ من دعائه : ( أسألك حبك و حبك من يحبك و حب عمل يقربني إلى حبك )

 

2- الصحابة يحبون الله اكثر من أنفسهم :

و قد أيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الجذوة و أشعلها في قلوب أصحابه فأحبوا الله أكثر من انفسهم و آبائهم و امهاتهم و من الماء البارد على الظمأ , و رضوا أن يبذلوا نفوسهم ومهجهم و هم فرحون مستبشرون .

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة:111) 

و لما لم يشهد أنس بن النضر يوم بدر شق ذلك عليه و قال : اول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه , لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ع وجل ما اصنع .

فشهد مع رسول الله يوم احد فاستقبل سعد بن معاذ فقال له انس يا أبا عمرو أين ؟؟؟

و اهاً لريح الجنة إني أجده دون أحد . ثم قاتل حتى قتل ووجد في جسده بضع و ثمانون  : بين ضربة سيف و طعنة رمح و رمية سهم و لم تعرفه إلا اخته عرفته ببنانه .

و فيه و في أصحابه نزلت هذه الآية الكريمة :

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب:23)

و لما هم المسلمون بفتح فارس و كانت موقعة القادسية في السنة السادسة عشر حضرت الخنساء و أوصت بنيها الأربعة فقالت :

( يا بني إنكم أسلمتم طائعين و هاجرتم مختارين و الله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما انكم بنو امرأة واحدة ما هجنت حسبكم و لا غيرت نسبكم . و اعلموا ان الدار الآخرة خير من الدار الفانية اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون .

فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها , وجللت نارا على أرواقها فتيمموا وطيسها و جالدوا رسيسها تظفروا بالغنم و الكرامة في دار الخلد و المقامة ,

فلما اضاء الصبح بادروا إلى مراكزهم . فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية أمهم لهم حتى استشهدوا جميعا .

فلما بلغها الخبر قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم و ارجوا من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته .

و محبة الله هي التي حملت مصعب بن عمير على ترك ما كان ينعم به من طيب العيش إلى الشظف و الحرمان .

قال عمر: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير و عليه إهاب كبش قد تمنطق به فقال :

( انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه , لقد رأيته بين ابويه يغذوانه بأطيب الطعام و الشراب فدعاه حب الله و رسوله إلى ما ترون ) .

3- مظاهر محبة الله :

و محبة الله تقتضي محبة القرآن الكريم و محبة الشريعة السمحة و مناصرة دين الله الذي لا صلاح للناس إلا به .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تيعا لما جئت به ).

و يقول عثمان رضي الله عنه : ( لو سلمت منا القلوب ما شبعت من كلام الله عز وجل ) . وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه و هو غاية مطلوبه .

تعصي الإله و انت تظهر حبه 

هذا لعمري في القياس شنيع

لو كان حبك صادقا لأطعه

إن المحب لمن يحب مطيع

و من مظاهر حب الله محبة الرسول صلوات الله و سلامه عليه إذ انه حامل الوحي و مبلغ الرسالة و قائد الخلق إلى الحق و الهادي إلى الصراط المستقيم . صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الأرض .

فعن أنس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : ( و الذي نفسي بيده لا يؤمن احدكم حتى أكون احب إليه من والده وولده و الناس أجمعين ).رواه البخاري

و روى أيضا عن عبد الله بن هشام قال :

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : و الله يا رسول الله أنت احب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال رسول الله صلوات الله و سلامه عليه : ( لا يؤمن أحدكم حتى اكون أحب إليه من نفسه ) فقال عمر : فأنت الآن و الله أحب إلي من نفسي فقال رسول الله : الآن يا عمر.

و قد قتل أبو امرأ من النصار و اخوها و زوجها يوم أحد فأخبروها بذلك فقالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا هو كما تحبين قالت : أرونيه حتى انظر ه فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك صغيرة .

و لما أخرج اهل مكة زيد بن الدثنة و كانوا قد أسروه ليقتلوه قال له أبو سفيان :

أنشدك الله يا زيد أتحب ان محمدا الآن مكانك تضرب عنقه و انك في اهلك ؟

فقال زيد : و الله ما أحب أن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة و إني لجالس في أهلي !

فقال أبو سفيان : ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا .

و محبة الصالحين و التودد إليهم من محبة الله إذ انهم انصاره و جنوده.

فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( أفضل الأعمال الحب في الله و البغض في الله )

و عن أبي أمامة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من احب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان )

و حب الأبرار الأتقياء يبلغ بالمرء أكرم المنازل  , فعن انس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم , متى الساعة؟

قال و ما اعددت لها ؟ قال لا شيء إلا أني أحب الله و رسوله .قال : أنت مع من أحببت .

قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من احببت .

ثم قال : فأنا احب النبي صلى الله عليه وسلم و أبا بكر و عمر و أرجوا أن اكون معهم بحبي إياهم.

4- حب الله و حب الأهل و الولد:

و هذا الحب الإلهي لا يتنافى مع محبة الزوجة و الولد و الأهل و العشيرة ما دامت هذه المحبة تابعة له و غير مانعة له من النمو و السمو و الوصول إلى الكمال .

فمحبة الزوجة و الولد و العشيرة فطرية و لصيقة بقلب الانسان و عاطفته .و هي محمودة إلا إذا صرفت الإنسان عن المثل الأعلى و عوقته عن النهوض لخدمة دينه و نفع وطنه .

فحينئذ يضحى بها من اجل الوصول إلى المثل الأعلى و خدمة الدين و نفع الوطن .و التضحية على هذا النحو هي أروع انواع البطولة و احقها بالاجلال و الإكبار و هذا هو هدى الاسلام الكريم و اسلوبه الحكيم , إذ أنه لا يغمط الفطرة حقها فهو يقيم العلاقة الزوجية على اساس المودة المشتركة بين الزوجين و التي يظهر أثرها في التعاون و التعامل و في أسرة كل منها .

 وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم:21)

و يجعل الله الولد من رياحين الله : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم , و هو محتضن أحد ابني ابنته و هو يقول :

( إنكم لتبخلون و تجبنون و تجهلون و إنكم لمن ريحان الله ) . رواه الترمذي

و عن عائشة قالت : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

أتقبلون الصبيان فما نقبلهم ؟

فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة ) متفق عليه .

و هكذا يساير الاسلام الفطر و يعطي كل ذي حق حقه و يفتح القلب الانساني لحب الله الذي لا حياة له إلا به .

فإن شئت ان تحيا سعيدا فمت به

شهيدا و إلا فالغرام له أهل

و هو الحب الذي سعد به المحبون و شغلوا به عن كل ما سواه قالت رابعة :

أحبك حبين حب الهوى 

و حبا لأنك اهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى

فشغلي بذكرك عمن سواكا

و اما الذي أنت أهل له 

فكشفك لي الحجب حتى اراكا 

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي

و لكن لك الحمد في ذا و ذاكا

........

من كتاب اسلامنا للسيد سابق رحمه الله