شرح إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة : أسطر

شرح إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة

بسم الله الرحمن الرحيم

وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (ص:24) 

أيسر التفاسير :

شرح الكلمات :
{ هل أتاك } : الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب .
{ نبأ الخصم } : أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه .
{ إذ تسوروا المحراب } : أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور .
{ بغى بعضنا على بعض } : أي تعدى بعضنا على بعض .
{ فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } : أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك .
{ واهدنا إلى سواء الصراط } : أي ارشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق .
{ إن هذا أخي } : أي على ديني في الإسلام .
{ فقال اكفلنيها } : أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها .
{ وعزتي في الخطاب } : أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني .
{ لقد ظلمك بسؤال نعجتك } : أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه .
{ من الخلطاء ليبغي بعضهم } : أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا .
{ وظن داود أنما فتناه } : أي ايقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره .
{ فاستغفر ربه وخر راكعا : أي طلب المغفرة من ربه بقوله استغفر الله وسقط ساجدا على وأناب } الأرض وأناب أي رجع تائبا إلى ربه .
{ وإن له عندنا لزلفى : أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها .
وحسن مآب } معنى الآيات :
ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربه تعالى { هل أتاك } إلى آخر الآيات . وذلك أن داود عليه السلام ذكر مرة في نفسه ما اكرم الله تعالى به إبراهيم واسحق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس ، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبر فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو وقله تعالى { وهل أتاك } يا رسولنا نبأ الخصم وهما ملكان في صورة رجلين ، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي ، وهذا عدوي ، وهؤلاء عدو لي . وقوله { إذ تسوروا المحراب } اي طلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني اسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك ، لأن لداود وقتا ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد وقوله { إذ دخلوا على داود وهو في محرابه ففزع على بعض } اي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } أي لا تجر في الحكم { واهدنا إلى سواء الصراط } اي إلى وسط الطريق فلا تمل بنا عن الحق . ثم عرضنا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضا مظلمته { إن هذا أخي } أي في الإسلام { له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال لي أكفلنيها } أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي ، { وعزني في الخطاب } أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني .


فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وعلل لذلك بقوله { وإن كثيرا من الخلطاء } أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة { ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهم أهل الإيمان والتقوى فإنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات ، { وقليل ما هم } أي وهم قليل جدا ، وهنا طار الملكان من بين يدي داود وعرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربه كما رغب إليه وأ ، ه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة صغيرة ارته أن ما ناله إبراهيم واسحق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم ، وهنا استغفر داود ربه { وخر راكعا } يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربه في أمره كله ، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى { فغفرنا له ذلك وإن له عندنا الزلفى } أي لقربه { وحسن مآب } أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار ، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر .
2- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص لا يتأتى له قصه غلا بوحي إلهي .
3- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة بني آدم .
4- حرمة غصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معا إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام .
5- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب .

تفسير السعدي:

وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) 

{ 21 - 26 } { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } .
لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما الله فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه، وغفر له، وقيض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وهل أتاك نبأ الخصم } فإنه نبأ عجيب { إذ تسوروا } على داود { المحراب } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف، فقالوا له: نحن { خصمان } فلا تخف { بغى بعضنا على بعض } بالظلم { فاحكم بيننا بالحق } أي: بالعدل، ولا تمل مع أحدنا { ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط }
والمقصود من هذا، أن الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف، وإذا كان ذلك، فسيقصان (1) عليه نبأهما بالحق، فلم يشمئز نبي الله داود من وعظهما له، ولم يؤنبهما.
فقال أحدهما: { إن هذا أخي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره. { له تسع وتسعون نعجة } أي: زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما آتاه الله.
{ ولي نعجة واحدة } فطمع فيها { فقال أكفلنيها } أي: دعها لي، وخلها في كفالتي. { وعزني في الخطاب } أي: غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد.
فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر " ؟ [ ص 712 ] { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم، فقال: { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض } لأن الظلم من صفة النفوس. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم. { وقليل ما هم } كما قال تعالى { وقليل من عبادي الشكور } { وظن داود } حين حكم بينهما { أنما فتناه } أي: اختبرناه ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فاستغفر ربه } لما صدر منه، { وخر راكعا } أي: ساجدا { وأناب } لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة.
{ فغفرنا له ذلك } الذي صدر منه، وأكرمه الله بأنواع الكرامات، فقال: { وإن له عندنا لزلفى } أي: منزلة عالية، وقربة منا، { وحسن مآب } أي: مرجع.
وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها.
{ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية، { فاحكم بين الناس بالحق } أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلم بالواجب، وعلم بالواقع، وقدرة على تنفيذ الحق، { ولا تتبع الهوى } فتميل مع أحد، لقرابة أو صداقة أو محبة، أو بغض للآخر { فيضلك } الهوى { عن سبيل الله } ويخرجك عن الصراط المستقيم، { إن الذين يضلون عن سبيل الله } خصوصا المتعمدين منهم، { لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم، لم يميلوا مع الهوى الفاتن.
__________
(1) في النسختين: فسيقصون.

 

علم التفسير tafseer

تفسير القرآن الكريم

أحدث التعليقات