حكم التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم : أسطر في الإسلام

حكم التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تعجل وكن كالطفيل، وانزع الكرسف من أذنيك وعقلك، فإن الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه ما زال به أولئك القوم الذين قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]، يحذرونه سماع النبي صلى الله عليه وسلم حتى عمد إلى أذنيه فحشاهما كرسفاً، ثم رجع إلى عقله وقال: والله إن هذا للعجز، وإني امرؤ ثبت، ما تخفى علي الأمور حسنها وقبيحها، والله لأتسمعن منه، فإن كان أمره رشدا أخذت منه، وإلا اجتنبته.

وإني سأضع بين يديك نقاطاً عشراً، فاجمع بعضها إلى بعض، واخرج منها بما يمليه عليك الإنصاف:

أولها: لو كان التبرك عبادة للمتبرك به، فلا فرق بين أنْ يعبد الإنسان نبياً أوْ ولياً أو صنماً، وَلَكَانَ التبرك كفراً مخرجاً من الإسلام، والحق الذي لا يمتري فيه مسلم أن التبرك ليس عبادة للمتبرك به، وإذا فهمتَ هذه القضية زال عنك كل إشكال، واندفع عنك كل شك واحتمال.

ثانياً: حقيقة التبرك هو: التقرب إلى الله تعالى بتعظيم ما يُحبه الله، قال الحق سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

ثالثاً: ليس التبرك بالصالحين من صلب الدين، ولا من أركانه، ومن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والتزم خمس صلوات في اليوم والليلة، وصام رمضان، وأدى زكاته، وحج البيت إن استطاع فقد أفلح إن صدق، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي ضمام بن ثعلبة.

رابعاً: إذا فهمتَ (أولاً) و (ثانياً)، عرفت لماذا كان الصحابة الذين تربوا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم(مدرسة التوحيد) يتبركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، وفي صحيح مسلم عن أم سليم أنها كانت تجمع عرق النبي صلى الله عليه وسلم فتعصره في قواريرها، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تصنعين؟ يا أم سليم» فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت.
والآثار في ذلك أكثر من أن تُحْصَر، فهل عبد الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه.

خامساً: أذا أدركت ما سبق علمت سبب إجماع العلماء قاطبة على استحباب التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وعرفتَ أيضاً لماذا ذهب جماهير العلماء إلى استحباب التبرك بالصالحين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن العلة التي من أجلها شُرِعَ التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم هو مكانته من الدين والصلاح والقرب من الله، وهذه العلة هي التي من أجلها قالوا باستحباب التبرك بالصالحين مع التفاوت بين مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقام غيره، ومع القطع بصحة المكانة والقرب في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم القطع في حق غيره.

سادساً: لأن (أولاً وثانياً) كانت واضحة عند أئمة الحديث والفقه المجمع على إمامتهم وجلالهم وسنيتهم واستقامتهم وديانتهم، فلم يكنْ عندهم مشكلة مع العقيدة، ولا غبش في الرؤية، ولا ضلال في الفكر حين يحدثونا عن أنفسهم أنهم فعلوا (التبرك)، فإمام الأئمة الحافظ المحدث الفقيه أبو بكر بن خزيمة عند أن زار قبر علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فكان منه كما يذكر أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى: (فرأيت من تعظيمه يعني بن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا).

وابن حبان يحدثنا عن نفسه وفي كتابه الثقات أنه كان يزور قبر علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مراراً كثيرة، وما حلت به شدة في وقت مقامه بطوس فزار قبر علي بن موسى ودعا الله عنده إلا أستجيب له.
ومثل ذلك حدث من الحافظ المحدث إبراهيم الحربي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل مع قبر معروف حتى قال: (قبر معروف الترياق المجرب).
ولك أيها العاقل المنصف أن تطالع بعض أخبارهم في مقالي المعنون بـ (ابتعدوا عن التكفير .. ذلك طريق الألفة)، والذي نشر في 4 ديسمبر، الساعة 02:24 مساءً .

سابعاً: عند أن تقف أيها العاقل على أحاديث تفيد أن الصحابة رضي الله عنهم قد حصل منهم مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما يسميه بعض المغالطين في عصرنا (عبادة القبور) فعليك أن تتأدب مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعلم أنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يغب عنهم الفقرة (أولاً) ولا (ثانياً) في مقالي هذا.

فأبو أيوب الأنصاري وضع وجهه على القبر الشريف وقال جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر، والحديث رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في التلخيص : صحيح وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفيه كثير بن زيد وثقه أحمد وغيره وضعفه النسائي وغيره.

فإن قال لك مغالط: أنا أخالف هؤلاء الأئمة الذين صححوا الحديث، وأقول بضعفه، فقل له:

هَبْ أن الحديث ضعيف أو موضوع، فهل كان الإمام أحمد والحاكم والطبراني الذين أخرجوا هذا الحديث .. والذهبي والهيثمي الذين صححوه، ضلالا صوفية، عَبَدَةَ قبور، يخدعون المسلمين، ويلبسون عليهم برواية هذه الأحاديث المكذوبة.

ومَنْ ذهب من العلماء إلى كراهة مسح القبر الشريف كالشافعية، فإنما ذهبوا لذلك تعظيماً للقبر الشريف، فقد قال النووي في المجموع: (بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته صلى الله عليه وسلم) ... وليس لأن وضع اليد على القبر تبركاً شركٌ أو وسيلةٌ إلى الشرك كما يقول المتنطعون.

ثامناً: إذا علمتَ ما سبق فلا تعجب من الإمام أحمد بن حنبل إن قرأت في كتابه العلل ومعرفة الرجال رواية ابنه عبد الله (2/ 492) فقد قال عبد الله: (سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال لا بأس بذلك).

ولا تعجب من الإمام الذهبي حين يذكُرُ لك في سير أعلام النبلاء (5/ 359) عن الإمام ابن المنكدر أنه كان يأتي القبر الشريف يستشفي به ويتمرغ بموضع رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، ويقول ابن المنكدر: (إنه يصيبني خطر فإذا وجدت ذلك استعنت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم).

وليس بعيداً من ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح حديث عتبان (1/523 ): (وفيه اجتماع أهل المحلة على الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم ليستفيدوا منه ويتبركوا به).

وقال في شرح حديث التحنيك كما في فتح الباري (1/ 327): (وفي هذا الحديث من الفوائد الندب إلى حسن المعاشرة والتواضع والرفق بالصغار وتحنيك المولود والتبرك بأهل الفضل).

واحذر أيها القارئ المنصف المتعقل أن تخرج الإمام الذهبي من الدين والملة وأنت تسمعه يقول بعد ذكره لحال الصحابة وما كانوا عليه من تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم قبلوا يده وكادوا يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ثم يقول في معجم شيوخه ص55: (ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل).

ويقول كما في سير أعلام النبلاء (4/42): (معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس... نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت أو شسع نعل كان له أو قلامة ظفر أو شقفة من إناء شرب فيه فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده أكنت تعده مبذرا أو سفيها؟! كلا ... ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحجر ثم قبل محجنه لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله).

وإذا رأيت من يتمسح بالكعبة الشريفة فتذكر (أولاً) إلى (سادساً)، واحكم له وعليه بما قرره فقهاء الإسلام، ومنهم شيخ الإسلام النووي حين قال في المجموع شرح المهذب (7/ 462): (لا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة لا للتبرك ولا لغيره ومن أخذ شيئا منه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه). فهو يجوز التبرك بالكعبة، ويمنع أخذ ما هو مخصص لها من الطيب.
وهذا الإمام القاضي المفسر أبو بكر ابن العربي في أحكام القران يقرر ذلك فيقول (3/254) : (إن قلنا: إن خلع النعلين كان لينال بركة التقديس فما أجدره بالصحة، فقد استحق التنزيه عن النعل، واستحق الواطئ التبرك بالمباشرة، كما لا تدخل الكعبة بنعلين، وكما كان مالك لا يركب دابة بالمدينة، برا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة الكريمة).

تاسعاً: فرق أيها العاقل بين فِعلِ الشيء (عبادةً) وفعله (تبركاً) .. وخذها من لسان إمامٍ محدثٍ فقيه، فقد قال الإمام النووي في روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/ 205): (واعلم أن الذبح للمعبود وباسمه، نازل منزلة السجود له، وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة، لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفراً، كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه.
فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه، بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى، أو الرسول لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة، وإلى هذا المعنى، يرجع قول القائل: أهديت للحرم، أو للكعبة، ومن هذا القبيل، الذبح عند استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه، نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود للغير تذللا وخضوعا. وعلى هذا، إذا قال الذابح: باسم الله وباسم محمد، وأراد: أذبح باسم الله، وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم. وقول من قال: لا يجوز ذلك، يمكن أن يحمل على أن اللفظة مكروهة؛ لأن المكروه، يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه).

عاشراً: من سبقت أخبارهم، وذُكِرت أحداثهم، هم الصحابة والتابعون، والعلماء الربانيون المخلصون، الذين علقوا قلوبهم بالله تعالى، عرفوا التوحيد والإيمان، والإخلاص والإحسان، وجعلوا التبرك والتوسل أسباباً مسلوكة، كما أنَّ أعمالهم وقرباتهم وطاعاتهم أسباباً، ولكنهم لم يركنوا إلى تلك الأسباب، فلم يغتروا بأعمالهم (وهي سبب)، ولا فتنوا بتبركهم وتوسلهم (وهو سبب)، وعلموا أن النفع والضر، والرفع والخفض، والتقريب والتبعيد، والخذلان والتسديد، بيد الغفور الودود.

فأحسن الظن بعباد الله، ولا تخرج الناس من دين الله أفواجاً، ولا تتنكب طريق الصالحين السابقين، وتسلك طريق المكفرين الخالفين. هداني الله وإياك لمرضاته، ودلني وإياك على طاعته، وألَّفَ بين قلوب المسلمين وجمع كلمتهم.

سيف علي العصري saif alasri‏