معنى التوكل على الله و ترك التواكل : Astor أسطر

معنى التوكل على الله و ترك التواكل

 ومالنا ألا نتوكل على الله

  • معناه :

 التوكل على الله هو الثقة به و الاعتماد عليهو تفويض الأمر إليه و الاستعانة به في كل شأن و الإيقان  بأن قضاءه نافذ, و السعي فيما لا بد منه من مطعم و ملبس و مسكن و التحرز من العدو ,كما فعله الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم .
و التوكل محله القلب
قال القشيري : و اما الحركة في الظاهر فلا تنافي توكل القلب بعدما تحقق العبد أن التقدير من فعل الله عز و جل فإن تعسر شيء فبتقديره و غن تيسر شيء فبتيسيره .

  • ضرورته :

و الانسان و هو في صراعه مع الحياة تنتابه المخاوف و عتريه الصعاب و تنزل به الآلام النفسية فلا يجد للحياة طعما ولا يستطيع مع هذا القلق أن يقوم بدوره الرئيسي في إسعاد نفسه و نفع غيره , فتتعطل قواه المادية و الدبية و يصبح شيئا تافها لا قيمة له و لا غناء فيه .
و الحياة لا تطيب للانسان و لا يسعد بها و لا يستطيع ان يقوم بدوره الكامل فيها إلا إذا استمتع بسكينة النفس و طمانينة القلب و راحة البال و عافية البدن و سبيل ذلك أن يثق بالله و يحسن الظن به و يتوكل عليه و يرد امره كله إليه .
ففي الحديث القدسي : ( انا عند ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني ) .
و من ثم كان التوكل على الله ضرورة لا يستعغني عنها العالم و لا العامل 
و لا الرجل و لا المرأة و لا الحاكم و لاالمحكوم و لاالصغير و لا الكبير .
لحاجة هؤلاء جميعا إلى يد قوية حانية تيعنهم إذا أقدموا من جانب و تمسح آلامهم إذا أخفقوا من جانب آخر .

  • الدعوة إليه :

و إن الناظر في الاسلام يرى دعونه صريحة في الاتصاف بهذه الصفة و الحلي بها .
(  وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ )
و التوكل ثمرة من ثمرات الايمان : ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
و المتوكلون على الله يكفيهم كل ما اهمهم من أمر الدين و الدنيا :
( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )


أي كافيه .
و التوكل منهج الرسل جميعا إليه يلجأون و به يلوذون فالقرآن يحكي أنهم كانوا دائما يقولون :
( وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )
و المسلمون بعد غزوة أحد حين هددوا بتجمع الأعداء و قيل لهم إن المشركين قد اجتمعوا للقضاء عليكم لم يبالوا بذلك معتمدين على الله و مفوضين الأمر له .
فصرف الله عنهم العدو وسجل لهم هذا الموقف القوي الرائع فقال :
( يسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (آل عمران:174)
و بقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
( إن حسن الظن بالله من عبادة الله )
و عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( يدخل الجنة اقوام أفئدتهم مثل افئدة الطير ) .
قيل معناه أنهم متوكلون .
و عن عمر رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا )
أي ان الطير تصبح جائعة ضامرة البطون ليس في حوصلتها شيء من الطعام و ترجع آخر النهار و قد امتلأت بطونها من رزق الله .
و ابراهيم عليه السلام كان آخر قوله حين ألقي في النار :
( حسبي الله و نعم الوكيل ) فأنجاه الله من النار و جعلها بردا و سلاما عليه .
و قال جابر :
كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع ، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلق بالشجرة فاخترطه ، فقال : تخافني ؟ قال : (( لا )) فقال : فمن يمنعك مني ؟ قال : (( الله )) .
وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في " صحيحه " ، قال : من يمنعك مني ؟
قال : (( الله )) . قال : فسقط السيف من يده ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيف ، فقال : (( من يمنعك مني ؟ )) . فقال : كن خير آخذ . فقال : (( تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ )) قال : لا ، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، فخلى سبيله ، فأتى أصحابه ، فقال : جئتكم من عند خير الناس .
و أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل التوكل شعارا للمؤمن فأرشد إلى أدعية يدعوا بها في الصباح و في المساء و حين يخرج من بيته أو يأوي إلى فراشه لما في هذه الأدعية من إيقاظ القلب و توجيه النفس إلى الله في كل حال .
فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا خرج من بيته قال :
(  بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو اظلم أو أجهل أو يجهل علي )
و عن انس رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إِذا خرج الرَّجُلُ من بيته ، فقال : بسم الله ، توكلت على الله ، لا حولَ ، ولا قوة إلا بالله ، يُقال له : حَسْبُك ، هُدِيتَ ، وكُفِيتَ ، ووقِيتَ ، وتنحَّى عنه الشيطانُ».
و عن أبي الدرداء رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( من قال كل يوم حين يصبح، وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا وأمر الآخرة ).
و عن طلق بن حبيب قال جاء إلى أبي الدرداء فقال :
يا أبا الدرداء قد احترق بيتك .
فقال ما احترق , لم يكن الله عز وجل ليفعل ذلك بكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
( من قالها أول النهار لم تصبه مصيبة حتى يمسى ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش الكريم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم أعلم أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علما اللهم إنى أعوذ بك من شر نفسى ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم ) .
و في بعض الروايات انه قال : انهضوا بنا .
فقام وقاموا معه فانتهوا إلى داره و قد احترق ما حولها و لم يصبها شيء .
ووصى رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء فقال :
( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة واجعلهن آخر ما تقول ).

  • التوكل و الأسباب :

و التوكل على الله لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يصح إلا إذا اتخذ الانسان لكل عمل يريده جميع الأسباب الموصلة إلى تحقيقه فالله سبحانه قد ربط المسببات بأسبابها و النتائج بمقدماتها .
و الانسان مسوق إلى الأخذ بالاسباب بمقتضى فطرته و بمقتضى تكليف الله له .. و إهمال هذه الأسباب مناف للفطرة و مخالف لأمر الله .
( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ )
( خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا )
( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ )
( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )
و قال الله تعالى مخاطبا لوطا عليه السلاملينجو بأهله .
( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ )
و قال لموسى عليه السلام في مثل هذا الموقف .
( فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ )
و قال في قصة يوسف عليه السلام مع اخوته و تحذير أبيه له منهم .
( يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا )
و قال : (  يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ )
و في العلاج و التداوي يأمر الدين بالأخذ بأسبابهما و يحض عليهما .
يقول صلى الله عليه و سلم 
( أيها الناس تداووا إن الله ما وضع داء إلا جعل له شفاء )
و قد كان الرسول صلى الله عليه سلم سيد المتوكلين و مع ذلك فقد كان يأخذ لكل أمر عدته و يستعد لملاقاة أعدائه الاستعداد الكامل و يتخذ جميع أسباب النصر و كان يعمل و يسعى للكسب و يأمر غيره بالسعي و الكدح و ما كان يترك السبب الذي جعله الله موصلا إلى الغاية :
إذ أن ترك السبب مجافاة النظام الذي وضعه الله للحياة و ما كانت مجافاة نظام الحياة موصلة إلى شيء.
و قد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أراد أن يترك ناقته على باب المسجد دون ان يعقلها فقال يا رسول الله أعقلها و اتوكل ؟ أو أطلقها و أتوكل فقال النبي صلى الله عليه و سلم اعقلها و توكل .
فالتوكل لا يتحقق إلا باتخاذ الأسباب و متابعة سنن الله و قوانينه أولا ثم الاعتماد على الله و تفويض الأمر إليه و ترك النتائج له ثانيا.
( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ )
و قد رأى عمر رضي الله عنه قوما توهموا أن التوكل هو ترك مباشرة السباب فأعرضوا عن العمل و ركنوا إلى العجز و الكسل فقال لهم ما أنتم فقالوا :
متوكلون قال كذبتم : ما انتم متوكلون .
إنما التوكل : رجل ألقى حبه في الأرض ثم توكل على الله
و مثل من ترك العمل راجيا أن يحصل على ما يريد كمن يريد أن يطير في الجو بلا جناح أو يريد الولد بلا زواج أو يريد تحريك الآلات بلا وقود و إنبات النبات دون تعهد .
ترجوا النجاة و لم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس 

omar

عمر الحنفي

Latest comments