التفكر في الاسلام : أسطر في الإسلام

التفكر في الاسلام

انظروا ماذا في السموات و الأرض
1- التفكير هو الحياة:
إن ما ينعم البشر به من حضارة راقية و مدنية زاهرة إنما هو نتاج عقل ذكي ملهم و ثمرة تفكير عميق مشرق.
ولولا يقظة العقل ما اهتدت الإنسانية إلى قوانين الحياة و علل الوجود و سنن الله في الكون و ما ارتقت خطوة واحدة و لبقيت على الحالةالتي خلقت عليها دون أن تتغير أو تتطور .
و لكن العقل الذكي استطاع بمحاولاته المظفرة أن ينطلق من إساره و يحطم القيود التي فرضت عليه زمنا طويلا فأمكنه ان يستخرج من الأرض كنوزها و يتغلب على جدبها و يزيد في انتاجها و يقرب المسافات البعيدة و يخفف من الأدواء الفتاكة و يكتشف هذه المعلومات في البر و البحر و الجو, و التي تبلغ بالحياة مستوى رفيع ما كان أحد من اجدادنا ليحلم به.
إن لكل عضو وظيفةووظيفة العقل هي التأمل و النظر و التفكير و إذا تعطلت هذه القوى بطل عمل العقل و عطل من أهم وظائفه و تبع ذلك توقف نشاط الحياة مما يتسبب عنه الجمود و الموت و الفناء.


و الاسلام أراد للعقل أن ينهض من عقاله و يفيق من سباته فدعا إلى النظر و التفكير و عد ذلك من جوهر العبادة فقال سبحانه و تعالى :
( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (يونس :101)
و قال : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) سبأ:46
و أخرج ابن حبان عن علي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عبادة كالتفكير )
و عن ابن عباس و أبي الدرداء : ( فكر ساعة خير من قيام ليلة )
و قال السري السقطي : ( فكر ساعة خير من عبادة سنة )
و قال عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة و توضأ : ودخل في الصلاة و بقي يصلي و يبكي حتى آذنه بلال بصلاة الصبح .
قالت فقلت : يا رسول الله علام البكاء و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تاخر ؟ 
فقال يا عائشة : أفلا أكون عبدا شكورا .
و لم لا افعل و قد أنزل الله علي هذه الليلة :  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران:191)
ثم قال : ويل لمن قرأها و لم يفكر فيها . رواه ابن حبان
و عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
( بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء و النجوم فقال :
أشهد ان لك ربا و خالقا اللهم اغفر لي .
فنظر الله إليه فغفر له ) . ( رواه الثعلبي و في سنده من لا يعرف )
و الذين يجحدون نعمة العقل و لا يستعملونه فيما خلق من أجله و يغفلون عن آيات الله هم موضع الازدراء و التحقير و الله سبحانه يعتب عليهم فيقول : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (يوسف:105)
و يقول : ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (الأنعام : 4)
و تعطيل العقل عن وظيفته يهبط بالانسان إلى مستوى أقل من مستوى الحيوان و هو الذي حال بين الأقدميين و بين النفوذ إلى الحقائق في الآفاق و في الأنفس .
يقول الله سبحانه : ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف:179)
2- التقليد حجاب التفكير:
و التقليد هو المانع للعقل من الانطلاق و المعوق له عن التفكير .
و من ثم فالله يثني على الذين يخلصون للحقائق و يميزون بين الأشياء بعد البحث و التمحيص فيأخذون الأحسن و يدعون غيره يقول جل شأنه : (  فَبَشِّرْ عِبَادِ (*) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر:18)
و يندد بالمقلدين الذين لا يفكرون إلا بعقول غيرهم و يجمدون على القديم المألوف و لو كان الجديد أهدى و أجدى لهم .
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة : 170 )
( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (الزخرف:23)
3- ميادين التفكير :
و الاسلام حين دعا إلى التفكير و رحب به إنما أراد أن يكون ذلك في دائرة نطاق العقل و حدود مداركه فدعا إلى النظر فيما خلق الله من شيء في السموات و الأرض و في الانسان نفسه و في الجماعات البشرية و لم يحظر عليه إلا التفكير في ذات الله , لأن ذات الله فوق الإدراك.
( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنعام:103)
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى:11)
( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (طه:110) 
و رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : 
( تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروه قدره )
و من الآيات الداعية إلى النظر و التفكير في رحاب الكون الفسيحة قول الله سبحانه :
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة:164)
و قوله : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (ق:11)
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (يونس:5)
( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الرعد:4)
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " (فاطر:28)
و في الدعوة إلى النظر في الجماعة البشرية يقول الله سبحانه :
(  فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (الطارق:7)
(  وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات:21) 
و في الدعوة إلى النظر في الانسان نفسهيقول الله سبحانه :
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (الروم:9)
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (النمل:69)
( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران:137)
و هكذا يمضي القرآن في مئات الآيات يدعوا إلى النظر في مجالات الكون الفسيحة ليهتدي الإنسان إلى مبدع اعالم و خالقه و ليعرف حقائق الأشياء و خصائصها كي يتسنى له الانتفاع بما اودع بها من قوى.
و تبدو عناية القرآن في الدعوةإلى النظر في الانسان و مجتمعهليكشف عن صفاته و مميزاته كفرد و عن السنن و القوانين التي تحكم مجتمعه و التي لا يمكن معرفتها إلا بالبحث الدقيق و النظر العميق و الملاحظة الواعية.
وكما يجب التفكير في الآيات الكونية فإنه يجب التفكير في آيات الله المتلوة و هي القرآن الكريم و ليس من الميسور فهم أسراره و إدراك معانيه إلا بعد إعمال الفكر و إمعان النظر .
( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (ص:29)
(  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد:24)
و من مزايا الاسلام أنه يوجب الاجتهاد فيما لا نص فيه من كتاب و لا سنة و يجعل القياس مصدرا من مصادر التشريع .و الاجتهاد يقتضي فهم الواقع فهما دقيقا و ادراكه إدراكا واعيا كما يقتضي الإحاطة بعلوم الشريعة و فقه اسرارها .
و لا يجيز الاسلام أن يخلو عصر من إمام مجتهد يبصر الناس بما يجد من قضايا تحتاج إلى معرفة حكم الله فيها. و المجتهد ماجور على كل حال و إن لم يهتد إلى الحق أو يصب حكم الله.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران و إن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ).
إن آفاق التفكير في الاسلاك كما يبدو رحبة و ميادينه فسيحة لا تحد بحد و لا تقف عند نهاية 
( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (*) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) من سورة البقرة
و ما أوسع الدنيا و سعتها ليست بشيء في جانب سعة الآخرة.
نتيجة الدعوة إلى التفكير :
كان من نتاج هذه الدعوة المباركة إلى التفكير أن أخذت العقول حريتها من النظر و التأمل و نهض كل إمام من ائمة العلم و الفكر يبحث و يدرس و يجتهد في العقائد و الفقه و الفلسفة و سائر اعلوم و الفنون دون أن يجد ما يعوق نشاطه الفكري و استقلاله العقلي فكان من ذلك كله هذه الحضارة التي نفخر بها نحن المسلمين و التي كانت هي الأساس التي قامت عليها نهضة أوربا و مدنيتها و شهد بذلك شاهد من أهلها .قال الاستاذ "ليبري" : ( لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوربا الحديثة عدة قرون ) .
من كتاب اسلامنا للسيد سابق

omar

عمر الحنفي

أحدث التعليقات