نشأة القواعد الفقهية و أول من ألف و دون فيها : أسطر

نشأة القواعد الفقهية و أول من ألف و دون فيها

نشأة القواعد الفقهية 
مقدمة :
 الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة ، و هدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة ، و أمدنا بشريعة سمحة نمشي بها على الأرض على هدى و رشد ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير من مشى على الأرض سيدنا محمد بن عبد الله و على آله وصحبه و سلم تسليما.
أما بعد.
 فلا يخفى على كل دارس للعلوم الشرعية ممارس لها أن الفقه الإسلامي يحتل مكانة عظيمة فيها ، و قمة سامقة ، ومحلا مشرفا على سائر العلوم ، فهو ثمرة العلوم الشرعية وجناها ، وعليها مدارها ورحاها ، فيه يعرف الحلال و الحرام ، ولها يدين الخاص والعام، وحقيقة الفقه هو الاستنباط ، وتحصيل الملكة الفقهية ، لا مجرد حفظ الفروع والمسائل ، وإن كان الحفظ مهما إلا أن مسائل الفقه وفروعه كثيرة يصعب حصرها بل وحتى حفظها، و حتى من وفق لحفظها من الفقهاء لا محالة سينسى بعض جزئياتها ، لذلك تنبه العقل المسلم إلى عبقرية التقعيد والتأصيل الفقهي الذي يجمع الجزيئات و المسائل الفقهية المتشابهة في أحكام كلية، تيسيرا للفقه ولما لشتاته ، بحيث تنتظم الفروع الكثيرة في سلك واحد متسق.لذلك انطلق التأليف في علم القواعد و تسلح العلماء لجمع القواعد من بطون أمهات الفقه في جميع المذاهب ، و الفقه المالكي مليء بالقواعد التي نظمت الجزئيات و الفروع المتشابهة ، و في هذا الصدد يأتي هذا البحث كمساهمة تكميلية للبحوث العلمية التي تشتغل على القواعد المالكية , وقد خصصته للنشأة والمراحل التي عرفها هذا الفن.
وجاء بحثنا كالتالي :
مقدمة وهي ما نحن بصددها ’
وأربعة مباحث:
1 _ مرحلة النشوء والتكوين.
2 _ مرحلة النمو والتدوين :
3_ مرحلة الرسوخ والتنسيق:
44 _ مرحلة الكتابة الموسوعية المعاصرة موسوعات القواعد الفقهية في القرن الرابع عشري الهجري.
المبحث الأول :
مرحلة النشوء والتكوين
 الممتدة من عصر النبي صلى الله عليه وسلم مروراً بالصحابة والتابعين وكبار الفقهاء وأصحاب المذاهب حتى القرن الثالث الهجري.
 - ففي عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت أحاديثه الشريفة قواعد فقهية عامة، بما أوتيه من جوامع الكلم، كما سبق ومثلنا له في مصادر القواعد الفقهية في السنة، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان" ... والعجماء جُرحُها جُبار" .
 - وكذلك نقلت آثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في هذا الشأن، مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"مقاطع الحقوق عند الشروط" فهو قاعدة في باب الشروط، وقول ابن عباس رضي الله عنهما:"كل شيء في القرآن أو أو فهو مخير، وكل شيء فإن لم تجدوا فهو الأول فالأول " . فهو قاعدة في باب الكفارات والتخيير فيهاوثب عن علي رضي الله عنه قوله : من قاسم الربح فلا ضمان عليه .
 - وفي عصر التابعين ما جاء عن الإمام شريح القاضي كقوله:" من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه" . فهو قاعدة تسوغ الشروط الجعلية، وقوله: " من ضمن مالاً فله ربحه".
 فإذا ما انتقلنا إلى عصر أئمة الفقهاء حيث تفتحت براعم الفقه وجدنا الصاحبيَّن أقدم من دوّن في القواعد كما في كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم (ت182هـ)، مثل قاعدة "التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره" ، وقاعدة "كل من مات من المسلمين لا وارث له فماله لبيت المال" . أما الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ) فيقول في كتابه الأصل: "التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة" ، وذلك عند اشتباه الطاهر بالنجس للوضوء، ويقول في كتابه الحجة على أهل المدينة: "كل شيء كره أكله والانتفاع به على وجه من الوجوه فشراؤه وبيعه مكروه، وكل شيء لا بأس بالانتفاع به فلا بأس ببيعه" .
 - بجانب ذلك نجد في كتاب الأم للإمام الشافعي أصولاً نستطيع تسميتها "كليات" باعتبار بدايتها بـ "كل ". إضافة إلى قاعدة فقهية تدل على رسوخ فكرة التعليل والتأصيل عند الأولين، منها؛ قاعدة "الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه" في معرض حديثه عن الإكراه والكفر، ومنها. قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع" التي نقلها الزركشي في (المنثور في القواعد) .
 - وللإمام أحمد مرويات أوردها الإمام أبو داود في كتابه (المسائل) منها: قاعدة: "كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن" ، وقاعدة: "كل شيء يشتريه الرجل مما يكال أو يوزن فلا يبعه حتى يقبضه، وأما غير ذلك فرخص فيه" .
 - لقد كان أثر هذه القواعد عند الفقهاء عظيماً -أيضاً- عند المحدثين الذين تناولوا شرح السنة، منهم الخطابي حمد بن محمد ، (ت388هـ) كما في شرح سنن أبي داود في كتابه معالم السنن، حيث نجد قواعد وأصول فقهية محكمة مع ربطها بالأحاديث، نختار منها قاعدة "الشك لا يزحم باليقين" وكقاعدة "كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور" . ومنهم: الإمام ابن عبد البر القرطبي المالكي (ت463هـ) صاحب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد الذي أورد قواعد فقهية ثمينة تدل على التعليل والتأصيل عند تعليقه على حديث وتوجيهه لبعض الآراء الفقهية المستنبطة من الحديث، كقاعدة "الأصل براءة الذمة" . وقاعدة "الأشياء على الإباحة" . وكل هذه القواعد تدل على وجودها في كتب المتقدمين كلبنة أولى، دون أن تصطبغ بصبغة العلم في هذه الفترة، بل كانت منثورة ومبددة هنا وهناك في بطون كتب الفقه والحديث الأولى، ويبدو أنها كانت الحافز للمتأخرين على استنباط القواعد وجمعها وتدوينها، والتقدم في هذا الاتجاه بعد أن تبلورت فكرتها في أذهان العلماء السابقين، حتى إذا ما دخل القرن الرابع الهجري بدأت هذه القواعد بالاستقلالية كفن مستقل مع وجود الثروة الفقهية العظيمة التي نشأت عن تدوين الفقه وذكر أدلته وخلاف المذاهب، وترجيح الراجح؛ لتشكل المحطة الثانية من أطوار تاريخ القواعد الفقهية.
- المبحث الثاني
مرحلة النمو والتدوين :
 (وتمتد هذه الفترة من القرن الرابع الهجري حتى ما بعد القرن الحادي عشر الهجري). إنه عصر القواعد الذهبي، وهو ما سنمثل له بشيء من التفصيل. ويروى أن الإمام الدباس -وقد عاش في القرنين الثالث والرابع الهجري- قد جمع (17) قاعدة كلية في مذهب أبي حنيفة، وقد تلاه الكرخي (ت340هـ) -الذي هو من أقران الإمام الدباس- وقد اقتبس منه بعض تلك القواعد وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على (37) قاعدة، لعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن، وفي هذا دليل على أن فقهاء المذهب الحنفي هم الأسبق بوضع هذه القواعد، خصوصاً لتوسعهم في الفروع. كما ألف الإمام محمد بن حارث الخشني المالكي (ت361هـ) كتابه أصول الفتيا.
- ثم جاء في القرن (5هـ) الإمام الدبوسي عبد الله بن عمر أبو زيد الحنفي (ت4300هـ) فوضع كتابه تأسيس النظر وضمنه طائفة من الضوابط الفقهية الخاصة بموضوع معين من القواعد الكلية مع التفريع عليها، مستفيداً من عمل الكرخي.
- وفي القرن (6هـ) كتب الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (ت540هـ) إيضاح القواعد .
- ثم بدأت القواعد تتبلور وتختمر في القرن (7هـ) مع محمد بن إبراهيم الجاجرمي (ت6133هـ) صاحب القواعد في فروع الشافعية، تلاه العز بن عبد السلام، صاحب قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ومن المالكيين برز العلامة محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت736هـ) صاحب المذهب في ضبط قواعد المذهب.
- وهكذا إلى أن جاء العصر الذهبي في تدوين القواعد في القرن (88هـ) حيث برزت عناية الفقهاء الشافعية فيه بشكل خاص، ومن الكتب المشهورة في ذلك العصر نذكر:
- الأشباه والنظائر لابن الوكيل محمد بن عمر بن مكي الشافعي (ت716هـ).
- القواعد للمقري محمد بن محمد بن أحمد أبي عبد الله المالكي (ت758هـ).
 - المجموع المُذهب في ضبط قواعد المذهب للعلائي الشافعي صلاح الدين خليل بن كيكلدي (ت761هـ). طبع في الكويت عام 1414هـ/1999م في مجلدين بتحقيق الدكتور محمد بن عبد الغفار الشريف.
- الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت771هـ).
- الأشباه والنظائر لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي (ت772هـ).
- المنثور في القواعد لبدر الدين الزركشي محمد بن بهادر بن عبد الله (ت794هـ).
 - القواعد في الفقه لابن رجب الحنبلي زين الدين أبي الفرج، عبد الرحمن شهاب الدين بن أحمد السلامي (ت795هـ).
- القواعد في الفروع لعلي بن عثمان الغزي الدمشقي الحنفي ، شرف الدين (ت799هـ).
- ومع إطلالة القرن (9هـ) نجد ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد (ت8044هـ) قد صنف كتاباً في القواعد اعتمادا على كتاب السبكي. وممن ألف أيضاً غيره نذكر الكتب التالية التي كملت ونسقت ما جمعه الأوائل:
- أسنى المقاصد في تحرير القواعد لمحمد بن محمد الزبيري (ت808هـ).
- القواعد المنظومة لابن الهائم المقدسي (ت8155هـ) وله أيضاً تحرير القواعد العلائية وتمهيد المسالك الفقهية.
- القواعد لتقي الدين الحصني (829هـ).
- نظم الذخائر في الأشباه والنظائر للمقدسي عبد الرحمن بن علي المعروف بشُقير (ت876هـ).
- القواعد والضوابط لابن عبد الهادي (ت880هـ).
- وبلغ تدوين القواعد الفقهية مبلغاً عظيماً في القرن (10هـ) حين جاء الإمام السيوطي (ت9100هـ) وجمع كتابه العظيم الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، مستخلصاً إياها من أهم القواعد المتناثرة عند العلائي والسبكي والزركشي. كما قام أبو الحسن الزقاق التجيبي المالكي (ت912هـ) بنظم القواعد الفقهية بعد استخراجها من كتب السابقين مثل الفروق للقرافي والقواعد للمقري، تلاه العلامة ابن نجيم زين الدين بن إبراهيم الحنفي (ت970هـ) الذي ألف الأشباه والنظائر على طراز ابن السبكي والسيوطي، وقد انكب عليه فقهاء الأحناف شرحاً وتدريساً وعناية. وكل ما تم في هذا العصر إنما هو اقتباس من المصادر الفقهية المتناثرة في أماكن مختلفة، لكن بصياغة متقنة، اللهم إلا ما تمكن منه بعض الراسخين أمثال ابن الوكيل والسبكي من وضع قواعد جديدة.
- المبحث الثالث
مرحلة الرسوخ والتنسيق:
المطلب الأول : وضع مجلة الأحكام العدلية وتعريفها :
 لم يستقر أمر القواعد الفقهية التي كانت في نشأتها الأولى مبددة ومتفرقة وممزوجة مع فنون فقهية أخرى مثل القواعد الأصولية والفروق والألغاز إلا بعد أن وُضِعَتْ مجلة الأحكام العدلية ، ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت في ذلك العهد، وضعها فحول فقهاء السادة الحنفية من علماء الدولة العثمانية في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان العثماني ، في أواخر القرن (13هـ)، وقد جمعوها من كتب أمثال الأشباه والنظائر لابن نجيم، ومجامع الحقائق للخادمي محمد بن محمد ابن مصطفى (ت1176هـ)، وأحسنوا انتقاءها واختيارها وتنسيقها تنسيقاً قانونياً رائعاً في أوجز العبارات حتى اشتهر ذكر القواعد وشاع أمرها عن طريق المجلة، وجاءت كموسوعة فقهية في أحكام المعاملات، وصيغت أحكامها في مواد على غرار مواد القوانين الوضعية، بلغت (1851 مادة) تقع في (16) كتاباً، سدّت فراغاً كبيراً في حينها في عالم القضاء والمعاملات الشرعية بعد أن كانت المسائل الفقهية مبددة ومتناثرة في كتب الفقه العديدة، وبعد أن كانت الفتاوى والنصوص الفقهية متعددة ومختلفة في الموضوع الواحد فظهرت بديعة مشرقه منتظمة في سلك واحد، وقد حوت المجلة قواعد أصولية مثل:
- المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة م 64.
- لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح م 13.
المطلب الثاني : دور المجلة في النهضة الفقهية والقانونية والفكرية :
كان للمجلة العدلية التي صدرت عام 18766م بقواعدها الفقهية والأصولية وقوانينها فاتحة عهد جديد في النهضة الفكرية والفقهية، فقد عمل البحاثة الإسلامي قدري باشا على مجموعة من أحكام المعاملات تحت اسم: "مرشد الحيران في معرفه أحوال الإنسان" كما قام الأستاذ عبد القادر عودة في مصر (ت1954هـ) على إصدار كتابه التشريع الجنائي الإسلامي، بالإضافة إلى إصدار السيد عبد الرزاق أحمد السنهوري (ت1971هـ) كتابه "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" والذي جاء مقارناً بين الفقه الإسلامي والقانون الغربي، ويعتبر هذا العمل أول المحاولات في ولوج وضع أسس للقانون المقارن . كما لعبت المجلة دوراً بارزا عبر قواعدها الفقهية والأصولية في وضع الفقه الإسلامي على عتبات التقدم والتطور والارتقاء بحركة التقنين، فقد نشرت العديد من اللجان العلمية للبحوث الفقهية والتشريعية الإسلامية وأهمها مجمع البحوث الإسلامية الذي أنشئ عام 1961م في مصر برئاسة شيخ الأزهر الشريف، وموسوعة الفقه الإسلامية التي أنشئت في دمشق عام 1956م وتعود إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق.
 وقد تبع ذلك العديد من المجمعات والموسوعات الفقهية بالإضافة إلى التشريعات الإسلامية التي بدأت تغزو المؤتمرات الدولية كالمؤتمر الذي عقد في "لاهاي" عام 1937م، وموضوعه القانون المقارن حيث كانت الأحكام القانونية الإسلامية تشكل المحور الرئيسي له، ومؤتمر باريس الذي عقد عام (1951م) من قبل الشعبة القانونية لقوانين الشرق، وأهمية هذا المؤتمر أن باريس التي كانت فيما مضى المصدر الأول للقوانين ولعبت دوراً بارزا في عمليات التغريب القانوني في الدولة العثمانية، أصبحت اليوم مقراً لمؤتمرات إسلامية قانونية وتشريعية، منها: يشع نور الفقه الإسلامي بقواعده الفقهية والأصولية ليحتل مكانته العالمية، كما كان للمجلة العدلية التي بدأ العمل بها عام 1293هـ/1883م أثر في النهضة القانونية، كانت أهم نتائجه بروز معالم علم جديد في عالم القضاء والقانون هو "القانون المقارن"
المبحث الرابع
الكتابة الموسوعية المعاصرة موسوعات القواعد الفقهية في القرن الرابع عشري الهجري
 أوردت مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورتها الرابعة عام 1408هـ/1988م قراراً لدراسة مشروع الموسوعة الفقهية بعدما شكلت لجنة خاصة بذلك، واعتماد خطة تنفيذية بينت فيها أسباب الدعوة إلى هذا المشروع، وقد جرت محاولات فردية كثيرة لجمع القواعد الفقهية كما فعل المرحوم الشيخ عميم الإحسان أحد علماء بنغلادش الذي جمع في كتابه قواعد الفقه ما جاء عند الكرخي، والدبوسي، وابن نجيم، وما تناثر في شرح السير الكبير للسرخسي، ولكن محاولاته المشكورة لم تغط نصف ما عند الحنفية من قواعد. ومثل ذلك ما فعل العلامة عبد الرحمن السعدي الحنبلي الذي حاول في كتابَيْه القواعد والأصول الجامعة، وطريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والأصول تقصي قواعد شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، ولم يوفق في إحاطة جميع ما ورد. فهذا ما دعا إلى تحول العمل من جهد فردي إلى جهد جماعي، اشتدت الحاجة إليه بتضافر الجهود وتعاضدها، فظهرت مؤخراً موسوعة القواعد الفقهية للدكتور محمد صدقي بن أحمد البورنو، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالقصيم - بريدة، وتطبع الآن موسوعة "القواعد الفقهية في فقه السادة الإباضية" -كما نشطت منظمة المؤتمر الإسلامي- معلمة القواعد الفقهية، في تحقيق وإنجاز موسوعتها.
1- موسوعة القواعد الفقهية للدكتور محمد صدقي البورنو:
 وقد شملت كل المذاهب، صدّرها المؤلف بمقدمة حول القواعد، وقد تضمنت باقة طيبة من القواعد قدرت بنحو (4192) قاعدة رتبت ألفبائياً: الهمزة أولاً ثم الباء وهكذا. مع ترقيم هذه القواعد وتبيان موضوعها، وشرح مضمونها والتمثيل لها بمثل أو أكثر، مع التدقيق في قواعد الخلاف، والإشارة في الهامش إلى توثيق الكتب التي ذكرت فيها القاعدة إضافة إلى صناعة الفهارس التفصيلية، وقد طبعت الموسوعة في (13) مجلداً، وصدرت في طبعتها الأولى كاملة عن مؤسسة الرسالة- بيروت عام 1424هـ/2003م.
2- موسوعة "القواعد الفقهية في فقه السادة الاباضيّة"
 وهو مشروع ضخم -قيد الطبع- تقوم به وزارة الأوقاف والتراث بمسقط - عُمان، ويشمل نحو (150) كتاب فقهي إباضي، وهو ثمرة توصيات المؤتمر الذي انعقد بمسقط عام (2004م)، وقد أنجز، وبلغ عدد قواعده (345) قاعدة مرتبة على حروف المعجم، مُوثّقة ومشروحة .
3- مشروع موسوعة القواعد الفقهية التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي- معلمة القواعد الفقهية- جدة :
 وهو مشروع ضخم تسعى حالياً منظمة المؤتمر الإسلامي إلى تحقيقه باستخراج القواعد الفقهية من كتب الفقه الإسلامي في مذاهبه الثمانية (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي، والظاهري، والجعفري، واليزيدي، والإباضي) بالتعاون مع علماء العالم الإسلامي المتمرسين بالقواعد الفقهية، حيث يقوم المستكتب الذي تعهد إليه إدارة المعلمة أولاً باستخراج القواعد وفق بيانات تشمل معلومات دقيقة جداً حول القاعدة ونصها، مع تبيان الصيغ الأخرى للقاعدة، أو الصيغ المخالفة، ودليل القاعدة، مع الشرح والتطبيقات وإبراز المستثينات والقيد، مع بيان الأنواع التي تنتمي لها أو تندرج تحتها القاعدة: باعتبار مصدرها ومجالها ومدى شمولية القاعدة مع تحديد القسم الذي تندرج تحته من أقسام الشريعة أو تحديد موضوعها، على أن يقوم عالم آخر بمراجعة العالم الأول؛ لتصحيح ما قد يكون شابه من خطأ، واستدراك ما فاته، ثم تدخل النماذج في الحاسوب، ويتم تجميع القواعد المكررة لفظية أو معنوياً؛ لتكوين ملف لكل قاعدة، بحيث يحتوي هذا الملف على كل ما يتعلق بالقاعدة (نصها مع جميع بياناتها الشاملة من شرح ودليل وتطبيق واستثناءات من المصادر المختلفة للمذاهب الثمانية). ويرسل ملف كل قاعدة لصياغتها بالصورة النهائية وشرحها وتطبيقاتها واستثناءاتها.
 وأخيراً تقوم إدارة المعلمة بعد ذلك بخدمة النصوص وإعداد فهارس المعلمة، ثم يدفع بها إلى المطبعة على أن يعهد في نفس الوقت إلى مختصين بعمل برنامج قرص مدمج يُسلم إلى شركة مختصة لإنتاج هذه الأقراص الصلبة (C.D.).
 وهذه الموسوعة -اليوم- هي محط آمال العلماء والفقهاء والقضاة والحقوقيين، وتمثل خطوة متقدمة في إحصاء وجمع، ومقارنة، وتطور، ودراسة القواعد الفقهية في هذا القرن على صعيد الفكر الموسوعي الجامع، القائم على الإحاطة، والتنظيم والتنسيق والجمع.

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:

* الحريري، إبراهيم محمد محمود (معاصر).
1- المدخل إلى القواعد الفقهية الكلية، تعريفها، نشأتها، تطورها، ج1، مج1، دار عمار- عمان، ط11، عام 1419هـ/1998م.
* ابن ماجه، أبو عبد الله، محمد بن يزيد القزويني (ت275هـ).
1- السنن، ج2، مج22، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، الطبعة الأولى، عام 1374هـ/1954م، نشر وتصوير دار إحياء التراث العربي- بيروت.
* أبو داود السجستاني سليمان بن الأشعث (ت275هـ).
مسائل الإمام أحمد، ج1، تقديم السيد رشيد رضا، الطبعة الثانية- بيروت
* ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، أبو الفضل، شهاب الدين (ت852هـ).
1- فتح القاري شرح صحيح البخاري (مقدمة+133 مج). تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب- القاهرة، المطبعة السلفية، ط1، عام 1379هـ/1959م، نشر وتصوير دار المعرفة- بيروت، وطبعة دار الكتب العلمية- بيروت.
2- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج4، طبعة الهند، حيدر آباد، عام 1945-1950م.
* ابن خلكان، أبو العباس، شمس الدين، أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (ت681هـ).
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج2، طبع في مصر عام 13100هـ، وبتحقيق د. إحسان عباس، بيروت، دار صادر عام 1968م.
* ابن العماد، أبو الفلاح، عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت1089هـ).
شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1-1000هـ) 8ج، 44مج، القاهرة مكتبة القدسي، الطبعة الأولى، عام 1370-1371هـ/1950-1951م، نشر وتصوير دار الكتب العلمية- بيروت.
* ابن فرحون المالكي، إبراهيم بن علي (ت799هـ).
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب ج2، مج22، تحقيق د.محمد الأحمدي أبو النور، طبع بمصر 1392هـ و 1351هـ.
* ابن نجيب، زين الدين بن إبراهيم الحنفي (ت970هـ).
الأشباه والنظائر، ج1، مج1، تحقيق محمد مطيع الحافظ، دمشق- دار الفكر، عام 1403هـ/19833م وطبعة الحلبي.
* ابن عبد البر، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد النمري المالكي الأندلسي (ت463هـ).
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج266، طبعة المغرب الأولى، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحقيق مصطفى ابن أحمد العلوي وآخرون، الرباط عام 1387هـ/1967م.
* أبو يوسف القاضي، يعقوب بن إبراهيم، صاحب الأمام أبي حنيفة (ت182هـ).
كتاب الخراج، ج1، مج1، القاهرة- المطبعة السلفية، الطبعة الرابعة، عام 13922هـ، نشر وتصوير دار المعرفة- بيروت.
* الباحسين يعقوب بن عبد الوهاب (معاصر).
1- قاعدة الأمور بمقاصدها: دراسة نظرية وتأصيلية، ج1، مج1، مكتبة الرشد- الرياض، ط11، عام 1418هـ/1998م.
2- قاعدة العادة محكمة، دراسة نظريه تأصيلية وتطبيقية، ج1، مج1، مكتبة الرشد- ط11، عام 1418هـ/2001م.
3- قاعدة اليقين لا يزول بالشك، ج1، مج1، ط1، مكتبة الرشد- الرياض، عام 1421هـ/2000م.
4- القواعد الفقهية ج1، مج1، مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة الأولى، عام 1418هـ/1998م.
* البغدادي إسماعيل باشا بن محمد أمين (ت1339هـ).
1- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، ج22، طبع في استانبول، الأول عام 1364هـ/1945م، والثاني عام 1366هـ/1947م.
2- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، ج2، مج22، تصوير بغداد، منشورات مكتبة المثنى.

* البورنو، محمد صدقي بن أحمد، أبو الحارث الغزي (معاصر).
الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية، ج1، مج1، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط11، عام 1404هـ/1983م.
* البيهقي، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي (ت458هـ).
السنن الكبرى، ج10، مج10، (+ 11ج للفهارس إعداد د/يوسف عبد الرحمن المرعشلي) الهند- حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، الطبعة الأولى عام 1344-1355هـ 1925-1936م، نشر وتصوير دار المعر فة- بيروت.
* حاجي خليفة مصطفى بن عبد الله المشهور بكاتب جلبي (ت1067هـ).
كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، ج2، مج22، تقديم شهاب الدين النجفي المرعشي، طبعة اسطنبول، نشر وتصوير دار إحياء التراث العربي- بيروت.
* الخطابي، أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم (ت388هـ).
 معالم السنن (مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري) تحقيق محمد حامد الفقي، مصر، مطبعة السنة المحمدية عام 1368هـ.
* الروكي محمد (معاصر).
نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، ج1، مج22، المملكة المغربية، جامعة محمد الخامس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، الطبعة الأولى، عام 1414
* الزرقا أحمد بن محمد بن عثمان (ت1357هـ).
شرح القواعد الفقهية، ج11، الطبعة الأولى، تقديم ولده مصطفى أحمد الزرقا والمرحوم العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة، دار الغرب الإسلامي- بيروت، عام 1403هـ/1983م.هـ/1994م.
* الزركشي، بدر الدين، محمد بن بهادر بن عبد الله (ت794هـ).
المنثور في القواعد، ج3، مج33، تحقيق الدكتور تيسير فائق أحمد محمود، مراجعة الدكتور عبد الستار أبو غزة، الطبعة الثانية، شركة الكويت للصحافة، عام 1405هـ/1985م.
* الزركلي، خير الدين (ت1976م).
الأعلام، ج8، مج8، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة (10)، عام 1992م.
* السبكي، تاج الدين، أبو نصر، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت771هـ).
طبقات الشافعية الكبرى، ج10، مج100، تحقيق عبد الفتاح حلو ومحمود محمد الطناحي، القاهرة- دار إحياء الكتب العربية، عام 1396هـ/1976م.
* السخاوي، شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن (ت902هـ).
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج12، طبع بمصر عام 1353-1354هـ.
* السيوطي، جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر محمد (ت911هـ).
1- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، ج1، مج11، القاهرة طبعة عيسى البابي الحلبي، والطبعة الأولى تصوير دار الكتب العلمية- بيروت عام 1399هـ/1979م.
2- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، طبع بمصر عام 1326هـ.
3- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، ج2، طبع بمصر عام 1299هـ.
* الشافعي، محمد بن إدريس، أبو عبد الله الهاشمي القرشي المطلبي، صاحب المذهب (ت204هـ).
 الأم، تصحيح زهدي النجار، طبع بآخره مختصر المزني وكتاب اختلاف الحديث، طبعة القاهرة، ج8، 5ج، نشر وتصوير دار المعرفة- بيروت عام 1381هـ.
* الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (ت1250هـ).
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ج2، طبع بمصر عام 1348هـ.
* الشيباني محمد بن الحسن، صاحب الإمام أبي حنيفة (ت189هـ).
كتاب الأصل، ج4، تحقيق أبو الوفا الأفغاني، ط1، الهند- حيدر آباد.
* القرشي، عبد القادر بن محمد (ت775هـ).
الجواهر المضية في طبقات الحنفية، حيدر آباد عام 13322هـ، وطبعة القاهرة بتحقيق عبد الفتاح الحلو.
* الضبي، أحمد بن يحيى بن أحمد بن عمارة (ت599هـ).
بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، طبع في مجريط، عام 1884م.
*الكتاني، محمد عبد الحي بن عبد الكبير الإدريسي (ت1382هـ /1962م.
فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، ج22، طبع في فاس، عام 1346- 1347 هـ.
*كحالة عمر رضا.
معجم المؤلفين، ج4، مج4، طبعة أولى، مؤسسة الرسالة- بيروت، عام1414هـ/1993م
* مخلوف محمد بن محمد بن عمر بن علي، المالكي (ت1360هـ/1941م).
شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ج1، مج1، طبع بمصر عام 13499هـ

* موسى كامل (معاصر).
المدخل إلى التشريع الإسلامي، ج1، مج1، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط1، عام 1410هـ/1989م.
*اللكنوي، أبو الحسنات، محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم (ت1304هـ).
الفوائد البهية في تراجم الحنفية ج1، القاهرة، ط1، مطبعة السعادة، عام1324هـ
*الندوي، علي أحمد (معاصر).
القواعد الفقهية، ج1، مج1، ط5، دار القلم- دمشق عام1420هـ/2000م.
* ياقوت بن عبد الله الحموي، شهاب الدين، أبو عبد الله، الرومي، البغدادي (ت626هـ).
معجم الأدباء، (المسمى إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)، ج7، طبعة مرجليوث، طبع بمصر، عام 1907- 1925م.
* وكيع بن حيان (ت306هـ).
أخبار القضاة، ج 3، نشر وتصوير عالم الكتب- بيروت.
*المجلة العدلية: القوانين الشرعية والأحكام العدلية تصحيح الشيخ يوسف الأسير، طبع بعناية أمين الخوري بدون ذكر الطبعة، المطبعة الأدبية عام1904م.
* محمد عبد الرحمن المرعشلي :تطوّر القواعد الفقهيّة من ظاهرة إلى علم
وأثر ذلك في الفقه الإسلامي أستاذ في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية
والمعهد العالي للدراسات الإسلامية ـ المقاصد، بيروت ,

  • أحمد الشامي
    أحمد الشامي

    مراحل تكوين القواعد الفقهية
     فإن القواعد الفقهية لم توضع دفعة واحدة ، أو في زمن واحد، وإنما تكونت مفاهيمها ووضعت نصوصها وحددت ألفاظها تدريجيا، من حين نزول التشريع إلى عصر الاجتهاد، وما تلاه من عصور، وذلك من خلال مراحل ثلاث:

    المرحلة الأولى: مرحلة النشأة

    بدأت هذه المرحلة منذ بدء التشريع الإسلامي، وذلك في عصر البعثة ونزول الوحي، فقد كانت بعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية بمثابة القواعد الفقهية العامة للفروع الفقهية الكثيرة، كحديث "لا ضرر ولا ضرار"، و "إنما الأعمال بالنيات"، وقد شاع استعمال تلك القواعد ، ونضجت مفاهيمها في أذهان العلماء في صدر الإسلام، وتعتبر مثل تلك القواعد بمثابة اللبنة الأولى والحجر الأساس للقواعد الفقهية في القرون الثلاثة الأولى.

    المرحلة الثانية: مرحلة النمو والتدوين

    مع بداية القرن الرابع أخذت القواعد الفقهية تنمو باعتبارها علما مستقلا وبخاصة بعد أن ضعف الاجتهاد وابتدأ التقليد وشاع، واكتفى الفقهاء المقلدون بتخريج الأحكام الجديدة وفقا لأصول أئمتهم، فاتسع نطاق الفقه، وظهرت علوم فقهية حديثة كعلم الفروق والضوابط والقواعد.

    ويُعد القرن الثامن العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية ونمو التأليف فيها في المذاهب الفقهية المعروفة.

    المرحلة الثالثة: مرحلة الثبات والتنسيق

    تعتبر العصور المتأخرة مرحلة ثبات واستقرار للقواعد الفقهية، وبخاصة في العهد العثماني ، حين وضعت مجلة الأحكام العدلية ، وحتى عصرنا الحاضر.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ينظر:مقدمة في دراسة الفقه، محمد الدسوقي، ص 78، تاريخ الفقه الإسلامي وأصوله، د. يوسف البدري ، ص(53-54).

الفقه الاسلامي fiqh

فقه الدين

أحدث التعليقات