حكم البصق في المسجد : أسطر

حكم البصق في المسجد

حكم البصق في المسجد عن اليسار تحت القدم
وقد جاء في حديث آخر: ( البصاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها )، وهذا لا يتعارض مع البصق تحت قدمه اليسرى في المسجد؛ لأن البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، فإذا بصق تحت قدمه اليسرى ودفنها فقد كفّر عن خطيئته وتجنب تجاه القبلة واليمين، ولكن هذا إذا كان المسجد تراباً ويمكنه أن يدفنها.
وإذا أمكن أن يتجنب البصاق في المسجد -ولو تحت قدمه- كان أولى، ولا يقل: لا بأس فهي خطيئة مكفرة، فبما أنها خطيئة تحتاج إلى تكفير فالأولى تركها، فقد جاء في بعض الروايات: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ طرف ردائه بيديه، وبصق في طرف الثوب، ثم طبق الثوب وحكها )، ليتشربها الثوب بدلاً من أن تكون في أرض المسجد.
وفي بعض الروايات: ( لا يبصق أحدكم في المسجد فيؤذي بها أخاه المسلم في بدنه أو ثوبه )، حتى لو دفنها فقد يأتي إنسان يجلس يتحرك فوقها، فيمكن أن تصل إليه فتؤذيه في ثوبه، وإذا كان بالإمكان تلافي هذه الخطيئة، فلا داعي لإيقاعها أصلاً، حتى لا نذهب ونبحث عن كفارتها.
وكل ذلك مراعاة لطبيعة المسجد في أول أمره، وقد مكث المسجد طويلاً وأرضه الحصباء، بل كانت طيناً، فقد جاء في حديث ليلة القدر: ( رأيتني أسجد صبيحتها في ماء وطين )، فأمطرت السماء وكان سقف المسجد من السعف والجريد، كما جاء عن بعض الصحابة قوله: ( فوكف السقف إلى الأرض، ولقد رأيت الطين على أرنبة أنف رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
وبعد هذه الحادثة تعذرت الصلاة في الأرض التي فيها طين، فذهب كل رجل وجاء بالحصباء في طرف ردائه، وفرشها في محل صلاته وصلى عليها، وكثر هذا العمل، ففرش المسجد بالحصباء بأطراف أرديتهم، فنظر إليه صلى الله عليه وسلم فقال: ( نعم هذا ).
ويمكن أن نقول: هذا عمل جماعي في مصلحة عامة، وفي مثل هذه الحالة ينبغي على المقيم من الرعية أن يساهم، ولا ينتظر من المسئولين أن يقوموا بكل شيء؛ إذ قد لا يستطيعون، أما إذا كانوا يستطيعون، وفي بيت المال ما يكفي لذلك، فعليهم أن يفعلوا، وهذه مهمتهم؛ لما لديهم من الإمكانيات في ذلك، أما في حالة عجزهم، أو إمكان إنجازه من قبل الرعية المقيمين، وتوفير ما في بيت المال لغيره فإن علينا أن نتعاون.

حكم البصاق في المساجد المفروشة
وإذا كان الوضع كما هو الآن في عموم المساجد، حيث تكون أرض المسجد خرسانة، أو بلاطاً، أو رخاماً، أو فراشاً، فلا يتأتى للإنسان -إذا كان يصلي على رخام مثل الزجاج- أن يبصق عن يساره تحت قدمه، ولا يمكن أن يدفنها في الرخام وفي هذه الحالة يرجع إلى طرف ثيابه، فإن كانت ثيابه بيضاء ونظيفة فيتعين عليه أن يكون في جيبه منديل، وهذا مما تدعو إليه حياتنا العامة الآن.
كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: (يحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا) وهو قالها فيما يتعلق بالجنايات، ونحن نقول الآن: يحدث للناس تغيير في الأحكام بسبب ما حصل من تغير الأحوال بمرور الزمن وأحوال الحياة.
فهذا حديث صريح: ( ولكن عن يساره تحت قدمه )، فهل يمكن أن نطبق هذا الحديث كما يفعل بعض الإخوة الذين يتمسكون بتطبيق حرفية الأحاديث.
الجواب: لا.
ومن هنا ننتقل إلى ما كنا فيه من الصلاة في النعال، فإذا كان صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق تجاه القبلة لعلة محددة، وعن يمينه لعلة معينة، وأباح عن اليسار، وأن يدفنها حتى لا يؤذي بها فإنه إذا كانت صلاته في النعلين -بما يعلق فيهما- ستؤذي غيره فحينئذٍ نقول: لا تصل في النعال.
أما لو كانوا في سفر ونزلوا في الخلاء، والأرض ليست لينة أو ناعمة، وإذا خلع النعلين لا يستطيع أن يقف باطمئنان واستقرار، وكانت النعلان طاهرتين فإنه يصلي فيهما؛ لأنه مشروع، ولم يتعارض مع مصالح أخرى، فقوله: (عن يساره وتحت قدمه) كان يتناسب مع ذاك الوقت، أما الآن فقد حدث ما يتعارض مع ذلك.
فلا نستطيع أن نطبق الحديث، ونحن لا نرد الحديث، ولكن نعجز عن تطبيقه؛ لأن تطبيقه في الرخام غير ممكن، وتطبيقه على مثل الفراش اليوم غير ممكن، فلا نتمسك بحرفية الحديث مستدلين بقوله: ( عن يساره تحت قدمه )، وهذا -كما أشرت- يربي الذوق، والذوق في الأخلاق إحساس وسمو، يتفاوت الناس فيه كما بين السماء والأرض.
فانظر إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إذ يقول: منذ أسلمت ما بصقت تجاه القبلة قط، لا في صلاة ولا في غيرها.
فما هو الذي منعه؟ إن معاذاً كان كأنه يستشعر عظمة الكعبة وحرمتها عند الله، ولو كانت بعيدة لكنه تجاهها، ونحن نجزم بأن البصاق في غير اتجاه القبلة أولى من البصاق في اتجاه القبلة، ونحس بمعنى لا نستطيع أن نعبر عنه.
وكنا نرى بعض الأشخاص في المسجد النبوي في أوائل الثمانينات -ولم تكن الكهرباء قد عمت البيوت، وكان المسجد النبوي هو المقيل للناس، خاصة في رمضان- فيأتون المسجد النبوي من أجل التبريد؛ فقد كانت فيه مراوح، فربما تجد إنساناً ينام ماداً قدميه إلى القبلة، وبيننا وبين الكعبة أكثر من أربعمائة كيلو، فكنا نرى بعض الأشخاص إذا وجد إنساناً نائماً حول رجليه عن القبلة إلى الجهة الثانية، فالنائم يقوم ويقول: ما هذا؟! فيقال له: كيف تمد رجليك تجاه الكعبة! فيقول: الكعبة بعيدة، ولكن الشخص الذي أيقظه في عاطفته أن نوم هذا الشخص ماداً قدميه إلى الكعبة فيه إهانة للكعبة، مع أن النوم مع مد القدمين إلى الكعبة جائز، فالميت عند الاحتضار نوجهه، ونجعل قدميه إلى الكعبة ورأسه إلى الشمال، فالمصلي -في حياته- إذا مرض ولم يستطع أن يصلي قائماً ولا جالساً فليصلِّ نائماً مستلقياً على ظهره ماداً قدميه إلى القبلة؛ لأنه إذا أحس بالعافية وجلس فسيكون وجهه إلى القبلة، لكن لو كان العكس فجعلنا رأسه إلى القبلة، ونشط وتعافى وجلس فسيكون مستدبر القبلة، وهذا ينافي الصلاة.
فأقول: هذه عاطفة عند الناس، والخطأ والصواب شيء آخر، ويكفينا في هذا نموذج من معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين قال: (ما بصقت تجاه القبلة منذ أسمت في صلاة ولا في غيرها).
فمن الذي نهاه عن هذا؟! وأين النص الذي منعه أن يبصق جهة القبلة؟ إنه إحساس عاطفي تقديراً للكعبة المشرفة.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم

  • ammar
    ammar

    عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها متفق عليه والمراد بدفنها إذا كان المسجد ترابا أو رملا ونحوه فيواريها تحت ترابه قال أبو المحاسن الروياني في كتابه البحر وقيل المراد بدفنها إخراجها من المسجد أما إذا كان المسجد مبلطا أو مجصصا فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجهال فليس ذلك بدفن بل زيادة في الخطيئة وتكثير للقذر في المسجد وعلى من فعل ذلك أن يمسحه بعد ذلك بثوبه أو بيده أو غيره أو يغسله.

    محمد بن صالح العثيمين

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات