قصص سوء الخاتمة : أسطر

قصص سوء الخاتمة

قصص سوء الخاتمة

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، إنما تكون لمن له فساد في العقيدة, أو إصرار على الكبيرة، أو إقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزلَ عليه الموت قبل التوبة، فيأخذَه قبل إصلاح الطوية، ويصطدمَ قبل الإنابة والعياذ بالله".

إذن المستفاد من الحديث هو التحذير من ترك الدين أو الاغترار بالعمل، أو فساد الباطن والتجرؤ على المحرمات، ولو أظهر الإنسان الصلاح للناس.

واعلموا -أيها الأحبة- أن الناس في الخاتمة على أربعة أحوال:

  • أشرفها من كان في حياته مؤمنًا صالحًا فلما قرب أجله ازداد اجتهادًا في العبادة، فمات على أكمل أحواله، وعلى رأس هؤلاء رسول الله.
  •  من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فلما قرب أجله أسلم وتاب واستقام وحسن عمله، فمات على ذلك، كما في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب.
  •  من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فازداد قبل حلول أجله فسقًا وكفرًا، فمات على أسوأ أحواله.
  •  من كان في حياته مؤمنًا ثم كفر أو صالحًا ثم فسق والعياذ بالله –تعالى- فمات على ذلك، فهذا أعظمهم حسرة وندامة، وهذه التي خافها الصالحون.

قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "الذنوب أهون عليّ من هذه -وأشار إلى تبنة كانت في يده- وإنما أخاف من سوء الخاتمة".

وقال أنس بن مالك: ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن؟ أولُ يوم يجيئك البشير من الله إما برضاه وإما بسخطه، واليومُ الثاني يومٌ تعرض فيه على ربك آخذًا كتابك إما بيمينك وإما بشمالك، وأولُ ليلة ليلةٌ تبيت فيها بالقبر، والليلةُ الثانية ليلةٌ صبيحتُها يوم القيامة

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اللاه عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس ، وهو من أهل النار؛ وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة».
وقوله: «فيما يبدو للناس» إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت. ولو لم يكن هناك غش وآفة، لم يقلب الله إيمانه.
ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح: يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه.
«وأساس النفاق وأصله: هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان».

و لقد ورد في كتاب التكرة للإمام القرطبي أن:

 و يروى : أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجدا للأذان و الصلاة و عليه بهاء العبادة و أنوار الطاعة فرقي يوما المنارة على عادته للأذان و كان تحت المنارة دار لنصراني ذمي فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها و ترك الأذان و نزل إليها و دخل الدار فقالت له : ما شأنك ما تريد ؟ فقال : أنت أريد قالت : لماذا ؟ قال لها : قد سلبت لبي و أخذت بمجامع قلبي قالت : لا أجيبك إلى ريبة قال لها : أتزوجك قالت له : أنت مسلم و أنا نصرانية و أبي لا يزوجني منك قال لها : أتنصر قالت : إن فعلت أفعل فتنصر ليتزوجها و أقام معها في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات فلا هو بدينه و لا هو بها فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة و سوء الخاتمة 
 و يروى أن رجلا علق بشخص و أحبه فتمنع عنه و اشتد نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعود فأخبر بذلك ففرح و اشتد فرحه و سروره و انجلى عنه بعض ما كان يجده فلما كان في بعض الطريق رجع و قال : و الله لا أدخل مداخل الريب و لا أعرض بنفسي لمواقع التهم فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده و رجع إلى أسوأ ما كان به و بدت علامات الموت و أمارته عليه 
 قال الراوي : فسمعته يقول و هو في تلك الحال : 
 ( سلام يا راحة العليل ... و برد ذل الدنف النحيل ) 
 ( رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل ) 
 قال : فقلت له : يا فلان اتق الله تعالى فقال : قد كان ما كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه فنعوذ بالله من سوء العاقبة و شؤم الخاتمة 
 قال المؤلف رحمه الله : [ روى البخاري عن سالم عن عبد الله قال : كان كثيرا ما كان النبي يحلف : لا و مقلب القلوب ] و معناه يصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول و الرد و الإرادة و الكراهية و غير ذلك من الأوصاف و في التنزيل { و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه } قال مجاهد : المعنى يحول بين المرء و عقله حتى لا يدري ما يصنع بيانه : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل و اختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم و أنه يحول بينهم و بينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز و جل 
 و قالت عائشة رضي الله عنها : [ كان النبي صلى الله عليه و سلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك فقلت : يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى ؟ قال : و ما يؤمنني يا عائشة و قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الجبار إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلب ] 
 قال العلماء : و إذا كانت الهداية إلى الله مصروفة و الإستقامة على مشيته موقوفة و العاقبة مغيبة و الإرادة غير مغالبة فلا تعجب بإيمانك و عملك و صلاتك و صومك و جميع قربك فإن ذلك و إن كان من كسبك فإنه من خلق ربك و فضله الدار عليك و خيره فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاع غيره و ربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير فكم من روضة أمست و زهرها يانع عميم فأصبحت و زهرها يابس هشيم إذ هبت عليها الريح العقيم كذلك العبد يمسي و قلبه بطاعة الله مشرق سليم فيصبح و هو بمعصية مظلم سقيم ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم 
 روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : [ اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقت امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضت إلى امرأة وضيئة أي جميلة عندها غلام و باطية خمر فقالت : إني و الله ما دعوتك للشهادة و لكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام قال فاسقني من هذه الخمر ؟ فسقته كأسا قال : زيدوني فلم يزل يشرب حتى وقع عليها و قتل الغلام فاجتنبوا الخمر فإنه و الله لا يجتمع الإيمان و إدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ] 
 و يروى أن رجلا أسيرا مسلما و كان حافظا للقرآن خص بخدمة راهبين فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته فأسلم الرهبان و تنصر المسلم و قيل له : ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه قال : لا أرجع إليه أبدا فقتل و في الخبر قصته و الحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة و الممات على الشهادة 
 و أنشد بعضهم : 
 ( قد جرت الأقلام في ذي الورى ... بالختم من أمر الحكيم العليم ) 
 ( فمن سعيد و شقي و من ... مثر من المال و عار عديم ) 
 ( و من عزيز رأسه في السها ... و من ذليل وجهه في التخوم ) 
 ( و من صحيح شيدت أركانه ... و آخر واهي المباني سقيم ) 
 ( كل على منهاجه سالك ... ذلك تقدير العزيز العليم ) 
 و قال الربيع : سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول : 
 ( ما شئت كان و إن لم أشأ ... و ما شئت إن لم تشأ لم يكن ) 
 ( خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى و المسن ) 
 ( على ذا مننت و هذا خذلت ... و هذا أغنت و ذا لم تعن ) 
 ( فمنهم شقي و منهم سعيد ... و منهم قبيح و منهم حسن ) 
 ( و منهم غني و منهم فقير ... و كل بأعماله مرتهن ) 

 

نسأل الله تعالى لنا و لكم و للمسلمين حسن الخاتمة

رقائق و سلوك morals

أحدث التعليقات