بلعام بن باعوراء الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان : Astor أسطر

بلعام بن باعوراء الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان

بلعام بن باعوراء .. الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان 
همسة : عمدتُ إلى الجمع بين كتب التفاسير وكتاب التوراة ما استطعتُ إلى ذلك .. 
مبيّناً ومنبّهاً إلى نقاط الوفاق والخلاف بين المصدرين في كلّ نقطة ..

قصّة بلعام ( بحسب سفر العدد اصحاح 22 ) وقعت بعد التّيه ،
حين ساحوا في الصحراء يعبرون القرى ، يسكنون بعضها ويحتلّون بعضها ..
فمرّوا على أرض سيحون ( ملك الآموريين ) وقتلوه بالسيف وأبادوا شعبه وسكنوا أرضه، ثم تركوه ورحلوا إلى ( موآب ) على شاطئ الأردن - مقابل أريحا - ،،
خاف ( بالاق ) ملك موآب من قدومهم بعد علمه بما حلّ بـ ( سيحون ) قبله ...
فأرسل إلى بلعام بن باعوراء - وكان صالحاً في قومه - برسالة وقال له :
[ يوجد شعب خرج من مصر وغطّى وجه الأرض ، وقد جاء ليقيم بجواري ، فتعال الآن والعنهم لي .. أنا عارفٌ من تباركه يكون مباركاً ، ومن تلعنه يكون ملعوناً ] ( ولعلها كناية عن معرفته اسم الله الأعظم ) ..

تعذّر بلعام بدايةً خشية ربه .. فما زال بالاق يرسل إليه بالأموال والرشاوي حتى ضعف ورضخ .. وباع دينه وآخرته بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة .. 
ركب بلعام حمارته ، وسار بها إلى ( بالاق ) لملاقاته ..
وفي الطريق ، تجلّى ملاكٌ للحمارة ، فانحرفت عن طريقها خوفاً منه ..
فضربها بلعام بعصاه وأعادها بالقوة إلى مسارها ..
فما زال الملاك يتراءى لها حتى انحرفت ثلاث مرات ، يضربها كل مرّة ..
فأنطقها الله : [ ما صنعتً بك حتى تضربني ثلاث مرات ؟ ] ،
وفي رواية التفاسير : [ ويحك يا بلعام أين تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم؟ ] ..
ويكمل سفر العدد القصة بترائي الملك لبلعام وتنبيهه ألا ينطق إلا بما أودعه الله في جوفه .. وسكت عنها التفسير ..

حتى إذا وصل ودعا ، أجرى الله على لسانه الدعاء لقوم موسى بالبركة ، واللعن لبالاق وقومه .. أي: عكس الدعاء .. فلاموه وخاصموه .. 
وإنّما صرف الله لسانه عن لعن رسوله فقال : [ أقول فقط ما يضعه الله في فمي ] ..

هنا تتوقف التوراة عن قصة بلعام .. فتذكر أنه أخذ الأموال وعاد إلى قريته ..
ثم يقصّ حكاية دخول قوم موسى لقرية ( موآب ) بعدها ، وزنى الإسرائيليون بنسائها ، وكيف فشى فيهم الطاعون والوباء فقتل 24 ألف نفساً .. وتنتهي القصة ..

وأما التفاسير ، فتذكر أن هذه كانت فكرة بلعام بن باعوراء ؛ أنه إذا لم يتمكّن من الدعاء على موسى وقومه ، أفسدهم بإرسال النساء إليهم ليزنوا بهنّ فيفسد الشعب ..
فأخذ ( زمري بن شلوم - رأس سبط شمعون ) بيد امرأة موآبية فُتِن بجمالها ، وأتى بها نبي الله موسى وقال : لعلك تقول هذه حرام عليك ؟! 
فقال موسى : نعم هي حرام عليك .. فرد عليه زمري : فوالله لا نطيعك بعدُ أبداً ..
فدخل إلى خيمته فوقع عليها ، فنزل الطاعون على بني اسرائيل فقتل منهم سبعين ألف نفساً ..

فقام إليه ( فنحاس بن أليعازر ) من بين الجماعة ، وأخذ رمحاً بيده ،
ودخل الخيمة على زمري والمرأة الموآبية وهما متضاجعان ، وطعنهما بالرمح حتى خرج أحشاوهما ، ثم خرج على قومه رافعاً الحربة وقال : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ..
فرفع عنهم الله الوباء والداء ...

فتمّ قوله تعالى : [ واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شينا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه * فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ] ..

ومجرد فضفضة .. وخلوا كلامي للـ"ز"كرى ،،
د. ماجد بن حسّان شمسي باشا

  • تفسير الشعراوي
  • وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (الأعراف:175) 

    ولأنهم قالوا : { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ } ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا خبر هؤلاء فيقول : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا } .
    والنبأ هو الخبر المهم وله جدوى اعتبارية ويمكن أن ننتفع به وليس مطلق خبر . ولذلك يقول سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النبإ العظيم } [ النبأ : 1-2 ] 
    كما يقول { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا } ، كأن هذا النبأ كان مشهوراً جداً ، ويقال : إنه قد قيل في « ابن بعوراء » أو أمية بن أبي الصلت ، أو عامر الراهب ، أو هو واحد من هؤلاء ، والمهم ليس اسمه ، المهم أنّ إنساناً آتاه الله آياته ثم انسلخ من الآيات ، فبدلاً من أن ينتفع بها صيانة لنفسه ، وتقرباً إلى ربه { فانسلخ مِنْهَا } واتبع هواه ومال إلى الشيطان .
    وكلمة « انسلخ » دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها؛ لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها ، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها ، وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان؛ لأن هذا الكيان العام فيه شرايين ، وأوردة ، ولحم ، وشحم ، وعظام . وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان ، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله « فاسقاً » مثله مثل الرطبة من البلح ، فبعد أن تضرب الشمس البلحة يتبخر منها بعض من الماء ، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة ، ولذلك سمي الخارج عن المنهج « فاسقاً » من فسوق الرطبة عن قشرتها ، والله عز وجل يقول هنا : { ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا } . وكان يجب ألا يغفل عنها ، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها ، لكن الإنسان انسلخ من الآيات .
    ونعرف جميعاً ثوب الثعبان وهو على شكل الثعبان تماماً ، ويغير الثعبان جلده كل فترة ، ولا ينخلع من الجلد القديم إلا بعد أن يكون الجلد الذي تحته قد نضج ، وصلح لتحمل الطقس والجو ، وكذلك حين يندلق سائل ساخن على جلد الإنسان ، تلحظ تورم المنطقة المصابة وتكون بعض المياه فيها ، وله أفرغ الإنسان هذه المياه تصاب هذه المنطقة بالتهاب ، أما إذا تركها فهي تحمي المنطقة المصابة إلى أن يتربى الجلد تحتها وتجف وتنفصل عن الجسم ، وكذلك نعلم أن الشاة - مثلاً - لا تسلخ نفسها . بل نحن نسلخها ، والحق سبحانه وتعالى يقول : { وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار . . . } [ يس : 37 ] 
    فكأن الليل كان مجلداً ومغلفاً بالنهار ، والليل أسود ، والنهار فيه الضوء ، ونعلم أن اللون الأسود ليس من ألوان الطيف ، وكذلك اللون الأبيض ليس من ألوان الطيف؛ لأن ألوان الطيف : الأحمر ، البرتقالي ، الأصفر ، الأخضر ، الأزرق ، النيلي ، البنفسجي ، واللون الأسود يأخذ ألوان الطيف ويجعلها غير مرئية ، لأنك لا ترى الأشياء إلا إذا جاءت لك منها أشعة لعينيك ، واللون الأسود يمتص كل الأشعة التي تأتي عليه فلا يرتد إلى العين شعاع منها فتراه مظلماً .

  •  

    والأبيض هو مزيج من ألوان متعددة إن مزجتها مع بعضها يمكنك أن تصنع منها اللون الأبيض ، وهكذا نعلم أن الأبيض مثله مثل الأسود تماماً ، فالأسود يمتص الأشعة فلا يخرج منه شعاع لعينيك ، والأبيض يرد الأشعة ولا يخرج منه شعاع لعينيك . وقوله الحق : { نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } كأن سواد الليل جاء يغلف بياض النهار .
    وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان : إنه يصلح لأن يتبعني ، وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل ، فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج ، ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا .
    وقلنا من قبل : إن المعاصي تأتي مرة من شهوة النفس ، ومرة من تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق ، وقلنا : إن الشيطان لا يجرؤ عليك إلا إن أوضحت للشيطان سلوكك أن له أملاً فيك ، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها ، والشيطان لا يذهب - مثلا - إلى الخمارة ، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير ، أما الاخرون فنفوسهم جاهزة له . إذن فالشيطان ساعة يرى واحداً بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه الآيات ثانية ، ولذلك لابد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من النفس أم من نزغ الشيطان ، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارئ ثم ألححت عليها ذاتها مرة ثانية ، فاعلم أنها شهوة نفسك . لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من نزغ الشيطان؛ لأن الشيطان لا يريدك عاصياً بمعصية مخصوصة ، بل يريدك بعيداً عن المنهج فقط ، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها ، فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك ، فاعلم أنها من نفسك ، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها ، ثم فكرت في معصية ثانية . فهذا نزغ من الشيطان - ويقول الحق : { . . . فَأَتْبَعَهُ الشيطان فَكَانَ مِنَ الغاوين } [ الأعراف : 175 ] 
    الغاوي والغَوِيّ هو من يضل عن الطريق وهو الممعن في الضلال ، ونعلم أن الهدى هو الطريق الموصل للغاية ، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية يضل أو يتوه في الصحراء . وهو الذي يُسمى « الغاوي » ، ومادام من الغاوين عن منهج الله فالفساد ينشأ منه لأنه فسد في نفسه ويفْسد غيره .

     

علم التفسير tafseer

تفسير القرآن الكريم

Latest comments