شرح حديث أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ : أسطر في الإسلام

شرح حديث أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ

 وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ ) أخرجه الدارقطني ولينه .
تقدم الحديث: ( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فليتوضأ ) والرعاف هو: خروج دم من الجسم من غير موضع السبيلين؛ لأن ما خرج من السبيلين ولو دم كدم الاستحاضة -وقد تقدم الحديث في المستحاضة في أول الباب- فإنه يكون ناقضاً للوضوء لأنه خارج من السبيلين وهنا يبين أحكام الدم الخارج من غير السبيلين.

تعريف الحجامة وأنواعها
قوله: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ) الحجامة هي: إخراج الدم من الجلد من غير السبيلين، وكما يقولون: هناك الحجامة وهناك الفصد، والحجامة تكون على قسمين: حجامة سائلة، وحجامة جافة.
والحجامة الجافة تكون بإخراج الهواء، وكيفيتها عندهم: إذا كان هناك ما يسمى بالروماتيزم أو بالالتهاب العضلي أو نحو ذلك فإنه يؤتى بوعاء مثل الكأس الكبير، ويؤتى بشعلة نار فتوضع على قطعة من العجين أو على شيء يثبت على العضو الذي فيه الألم ويكفأ الإناء على هذه الشعلة متمكناً من الجلد، فإن من طبيعة الشعلة أن تحرق الأكسجين الموجود في تجويف الكأس، وعند احتراقها تتطلب هواء، والكأس ليس فيه هواء، فيخرج الهواء من داخل الجسم بسبب جاذبية الشعلة، فإذا كان هناك رطوبة أو هواء أو برودة في الجسم جذبتها تلك الشعلة ثم تنطفئ لعدم وجود الأكسجين؛ لأن النار لا تشتعل بغير أكسجين، فهذه هي التي تسمى (حجامة جافة).
والحجامة السائلة: تكون بإخراج الدم الزائد أو الدم الفاسد من الجسم، وهذا له أهل اختصاص يفعلونه، ويخرجون الدم من الجلد؛ وذلك بتشريط الجلد تشريطاً خفيفاً أقل من الملليمتر، أي: بمجرد جرح سطح الجلد، ثم يوضع الكأس مكان التشريط ويجذب بأي وسيلة من الوسائل، فيسحب الدم من الجلد ويخرجه إلى الخارج، وهذه هي الحجامة السائلة.
والفصد: هو أن يعمد إلى العرق بالذات ويقطعه، فيخرج الدم نافراً من ذلك العرق.
والفصد والحجامة معروفان عند العرب من القدم، فقد كانوا يستعملون الحجامة للتداوي، ويستعملون الفصد للأكل، فكانوا يأتون إلى البعير أو إلى الثور ويقطعون عرقاً نابضاً في جسمه، فيسكب الدم، فيتلقونه في إناء، ثم بعد ذلك يحمُّون التراب ويصبون هذا الدم في ملة التراب فيجمد ثم يأكلونه، أو يأتون بالجزور الذي ذبح، ويصبون هذا الدم في أمعاء الذبيحة، ويدفنونها في الملة، فيجمد الدم داخل الأمعاء فيأكلونه، هذا هو الفصد، وأما استعمال الدم وأكله فقد جاء الإسلام ونهى عنه.
فالحجامة نوع من أنواع العلاج، وقد أطال ابن القيم رحمه الله وغيره في إيراد النصوص التي جاءت بالتداوي بالحجامة، ومما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في التداوي بها قوله: ( لو أن دواءً يصل الداء لوصلته الحجامة ) يعني: لو أن دواءً يصل الداء بذاته لقوة فاعليته لوصلته الحجامة، وقال: ( احتجموا لا يضير بكم الدم ) أي: لا يهلككم الدم.

أوقات الحجامة ومواضعها
ولأهل العلم والاختصاص مباحث تتعلق بالحجامة: متى تكون الحجامة؟ فهم ينهون عنها في الأيام البيض أيام المد والجزر، وينهون عنها من كان عمره دون السابعة عشر، وينهون عنها من كان فوق الستين، وهذا النهي عند الفقهاء بالذات هو الذي يعمل به الأطباء الآن في نقل الدم من إنسان إلى إنسان فإنهم لا يأخذون دماً من إنسان عمره دون السابعة عشر، ولا يأخذون دماً من إنسان تجاوز عمره الخمسين أو الأربعين، ولهم في ذلك حد أيضاً، ولا يعطون إنساناً دماً على فترتين متواليتين ليس بينهما ستة أشهر على الأقل، ولا يعطون إنساناً دماً أكثر من خمسمائة ملليلتراً في المرة الواحدة.
فإذاً: أخذ الدم والحجامة شيء واحد ولكن مع الفرق في بعض الأشياء، فأخذ الدم من العرق من باب الفصد، وأما الحجامة فهي: أخذ الدم من الجلد، والدم الذي يخرج بالحجامة غالباً لا يصلح للنقل إلى المريض، فغالباً ما يكون فيه فساد، وغالباً ما يكون لونه أسود .
إلى غير ذلك من الأمور التي يعرفها من يتعاطى هذه المهنة وله خبرة فيها.
وكذلك لهم مباحث في أيام الأسبوع: فمنهم من يمنع الحجامة في يوم الأربعاء.
وأما المواضع التي يحجم فيها: فيُحجم في الرقبة، ويحجم على الفخذ، وبين الكتفين في أي موضع، وفي الرأس، وإذا فرط الحاجم فقد يضر بالمحجوم.
وجاء فيما يتعلق بالصيام: هل الحجامة تفطر الصائم أو لا؟ والحجامة قد أخذت حيزاً لو أفردت ببحث لكان بحثاً كافياً.
وهنا جاءنا المؤلف بغرض واحد وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وصلى ولم يتوضأ، وما زاد على أن غسل مواضع الحجامة أو غسل محاجمه )، يعني: مواضع الكأس أو القرن الذي يشفط به، وهذا دليل على أن هذا دم خارج من الجسم وهو كثير، ولم ينتقض وضوءه صلى الله عليه وسلم به.
إذاً: ما تقدم هناك من ذكر القيء وذكر القلس وذكر الرعاف هو محل البحث عندهم، وتقدم أن عرفنا أن الحديث في ذلك ضعيف.
والمؤلف رحمه الله تعالى ساق ذاك الحديث أولاً ليبين لنا دليل من يقول بأن الخارج الفاحش النجس من البدن ناقض، ثم بين أن دليل هذا حديث ذو سند ضعيف، ثم ساق هنا حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ولم يتوضأ)؛ ليبين دليل من يقول: إن الخارج الفاحش النجس من الجسم من غير السبيلين ليس بناقض.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات