ما هو افضل الدعاء : أسطر

ما هو افضل الدعاء

أفـضـل الدعـاء الحمد لله :

عن جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ))

[1] ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) لأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ، وَالتَّوْحِيدُ لا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ وَهِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ ، وَلأَنَّهَا أَجْمَعُ لِلْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ وَأَنْفَى لِلْغَيْرِ وَأَشَدُّ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَتَصْفِيَةً لِلْبَاطِنِ وَتَنْقِيَةً لِلْخَاطِرِ مِنْ خُبْثِ النَّفْسِ وَأَطْرَدُ لِلشَّيْطَانِ " .

وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) : الدُّعَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ الْحَاجَةَ وَالْحَمْدُ يَشْمَلُهُمَا , فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ يَحْمَدُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ وَالْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ طَلَبُ الْمَزِيدِ وَهُوَ رَأْسُ الشُّكْرِ , قَالَ تَعَالَى : { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ بَابِ التَّلْمِيحِ وَالإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ تعالى(( اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )) وَأَيُّ دُعَاءٍ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ وَأَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُنَاوِيِّ .[2] لا إله إلا الله وحده لا شريك له : عن عبدالله بن عمرو : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[3]

(خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ) لأَنَّهُ أَجْزَلُ إِثَابَةً وَأَعْجَلُ إِجَابَةً . قَالَ الطِّيبِيُّ : الإِضَافَة فِيهِ إِمَّا بِمَعْنَى اللام أَيْ دُعَاء يَخْتَصّ بِهِ وَيَكُون قَوْله : " وَخَيْر مَا قُلْت وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَه إِلا اللَّه " بَيَانًا لِذَلِكَ الدُّعَاء فَإِنْ قُلْت هُوَ ثَنَاء قُلْت فِي الثَّنَاء تَعْرِيض بِالطَّلَبِ . وَالدُّعَاء هُوَ لا إِلَه إِلا اللَّه وَحْدَهُ إِلَخْ , وَتَسْمِيَتُهُ دُعَاءً إِمَّا لأَنَّ الثَّنَاء عَلَى الْكَرِيم تَعْرِيض بِالدُّعَاءِ وَالسُّؤَال . وقول الطِّيبِيُّ يُؤَيِّدهُ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِوَايَة أَحْمَد ، قَالَ الْقَارِي : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ : " أَفْضَلُ مَا قُلْت وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لا إِلَه إِلا اللَّه " إِلَخْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ كَمَا قَالَهُ الأَذْرَعِيّ اِنْتَهَى , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَد بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ بِلَفْظِ : (( كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ " لا إِلَه إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ " إِلَخْ .[4] الدعاء بأسماء الله الحسنى : (( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون ))[5] (( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ))[6] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))[7]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، "أَحْصَيْنَاهُ" حَفِظْنَاهُ ))[8] قَالَ الأَصِيلِيّ : الإِحْصَاء لِلْأَسْمَاءِ الْعَمَل بِهَا لا عَدّهَا وَحِفْظهَا ، لأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَع لِلْكَافِرِ الْمُنَافِق كَمَا فِي حَدِيث الْخَوَارِج يَقْرَءُونَ الْقُرْآن لا يُجَاوِز حَنَاجِرهمْ وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الإِحْصَاء يَقَع بِالْقَوْلِ وَيَقَع بِالْعَمَلِ فَاَلَّذِي بِالْعَمَلِ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاء يَخْتَصّ بِهَا كَالأَحَدِ وَالْمُتَعَال وَالْقَدِير وَنَحْوهَا , فَيَجِب الْإِقْرَار بِهَا وَالْخُضُوع عِنْدهَا

, وَلَهُ أَسْمَاء يُسْتَحَبّ الاقْتِدَاء بِهَا فِي مَعَانِيهَا : كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيم وَالْعَفُوّ وَنَحْوهَا , فَيُسْتَحَبّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّى بِمَعَانِيهَا لِيُؤَدِّيَ حَقّ الْعَمَل بِهَا فَبِهَذَا يَحْصُل الإِحْصَاء الْعَمَلِيّ , وَأَمَّا الإِحْصَاء الْقَوْلِيّ فَيَحْصُل بِجَمْعِهَا وَحِفْظهَا وَالسُّؤَال بِهَا وَلَوْ شَارَكَ الْمُؤْمِن غَيْره فِي الْعَدّ وَالْحِفْظ , فَإِنَّ الْمُؤْمِن يَمْتَاز عَنْهُ بِالإِيمَانِ وَالْعَمَل بِهَا .[9] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))[10] وعنه : (( لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا ، مِائَةٌ إِلا وَاحِدًا ، لا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ ))[11] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ))
[12] (أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) أَيْ أَلْزَمُوهُ وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ وَأَكْثَرُوا مِنْ قَوْلِهِ وَالتَّلَفُّظِ بِهِ فِي دُعَائِكُمْ , يُقَالُ أَلَظَّ بِالشَّيْءِ يُلِظُّ إِلْظَاظًا إِذَا لَزِمَهُ وَثَابَرَ عَلَيْهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ .[13] الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ ، اذْكُرُوا اللَّهَ ، جَاءتْ الرَّاجِفَةُ ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ، قَالَ أُبَيٌّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي ؟ فَقَالَ : مَا شِئْتَ ، قُلْتُ : الرُّبُعَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : النِّصْفَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : فَالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا ؟ قَالَ : إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ ))[14] قَوْلُهُ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) أَرَادَ بِهِ النَّائِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يُنَبِّهُهُمْ عَنْ النَّوْمِ لِيَشْتَغِلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّهَجُّدِ ( جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الرَّاجِفَةُ النَّفْخَةُ الأُولَى الَّتِي يَمُوتُ لَهَا الْخَلائِقُ وَالرَّادِفَةُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَحْيَوْنَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَصْلُ الرَّجْفِ الْحَرَكَةُ وَالاضْطِرَابُ اِنْتَهَى . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَارَبَ وُقُوعُهَا فَاسْتَعِدُّوا لِتَهْوِيلِ أَمْرِهَا ( جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ) أَيْ مَا فِيهِ مِنْ الشَّدَائِدِ الْكَائِنَةِ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَالْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ ( فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلاتِي ) أَيْ بَدَلَ دُعَائِي الَّذِي أَدْعُو بِهِ لِنَفْسِي قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : مَعْنَاهُ أُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ دُعَائِي صَلاةً عَلَيْك . ( قُلْتُ الرُّبُعَ ) أَيْ أَجْعَلُ رُبُعَ أَوْقَاتِ دُعَائِي لِنَفْسِي مَصْرُوفًا لِلصَّلاةِ عَلَيْك ( قُلْتُ أَجْعَلُ لَك صَلاتِي كُلَّهَا ) أَيْ أَصْرِفُ بِصَلاتِي عَلَيْك جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كُنْت أَدْعُو فِيهِ لِنَفْسِي . ( قَالَ إِذًا تُكْفَى هَمَّك ) وَالْهَمُّ مَا يَقْصِدُهُ الإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ , يَعْنِي إِذَا صَرَفْت جَمِيعَ أَزْمَانِ دُعَائِك فِي الصَّلاةِ عَلَيَّ أُعْطِيت مَرَامَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .[15] عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : (( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ ؟ قَالَ : إِذَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ ))[16] عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبيه عن جده قال : (( أن رجلاً قال : يا رسول الله أجعل ثلثَ صلاتي عليك ؟ قال : نعم إن شئت ، قال : الثلثين ؟ قال : نعم ، قال : فصلاتي كلها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِذًا يَكْفِيَكَ اللَّهُ مَا هَمَّكَ مِنْ أمر دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ ))[17] المعافاة في الدنيا والآخرة : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ))[18] عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ : (( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، فَمَكَثْتُ أَيَّامًا ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ ؟ فَقَالَ لِي : يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ))[19] ( سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ) فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ بِالدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ بَعْدَ تَكْرِيرِ الْعَبَّاسِ سُؤَالَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا يَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ دَلِيلٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ لا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ الأَدْعِيَةِ وَلا يَقُومُ مَقَامَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكَلامِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ . ومَعْنَى الْعَافِيَةِ أَنَّهَا دِفَاعُ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ , فَالدَّاعِي بِهَا قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ دِفَاعَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَنْوِبهِ , وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْزِلُ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ وَيَرَى لَهُ مِنْ الْحَقِّ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ فَفِي تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَقَصْرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ تَحْرِيكٌ لِهِمَمِ الرَّاغِبِينَ عَلَى مُلازَمَتِهِ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيُسْتَدْفَعُونَ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُهِمُّهُمْ . ثُمَّ كَلَّمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) . فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قَدْ صَارَ عُدَّةً لِدَفْعِ كُلِّ ضُرٍّ وَجَلْبِ كُلِّ خَيْرٍ .[20] عن أنس رضي الله عنه قال : (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، أي الدعاء أفضل ؟ قال : « سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة » ، ثم أتاه الغد فقال : يا نبي الله ، أي الدعاء أفضل ؟ قال : « سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت » ))[21] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ، وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ ، إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ ))[22] عن رفاعة بن رافع قَالَ : (( قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ : "اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ" ))[23] عَنْ أَوْسَطَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الأَوَّلِ مَقَامِي هَذَا ، ثُمَّ بَكَى ، ثُمَّ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ وَسَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ رَجُلٌ بَعْدَ الْيَقِينِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ الْمُعَافَاةِ ، ثُمَّ قَالَ : لا تَقَاطَعُوا وَلا تَدَابَرُوا ، وَلا تَبَاغَضُوا ، وَلا تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ))وعند الترمذي ((العفوَ والعافيةَ ))[24] عن أنس رضي الله عنه قال (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم مبتلين ، فقال : أما كان هؤلاء يسألون العافية ؟! ))[25] الاستغفار : عن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَوْفَقَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، يَا رَبِّ فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذَّنْبَ إِلا أَنْتَ ))[26] الجوامع من الدعاء : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنْ الدُّعَاءِ ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ ))[27] ( يُسْتَحَبُّ الْجَوَامِعُ مِنْ الدُّعَاء ) : أَيْ الْجَامِعَة لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَهِيَ مَا كَانَ لَفْظه قَلِيلاً وَمَعْنَاهُ كَثِيرًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار))

وَمِثْل الدُّعَاء بِالْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة . وَقَالَ عَلِيّ الْقَارِيّ : وَهِيَ الَّتِي تَجْمَعُ الأَغْرَاض الصَّالِحَة أَوْ تَجْمَعُ الثَّنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى وَآدَاب الْمَسْأَلَة . وَقَالَ الْمُظْهِر : هِيَ مَا لَفْظه قَلِيل وَمَعْنَاهُ كَثِير شَامِل لأُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة نَحْو اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك الْعَفْو وَالْعَافِيَة فِي الدِّين وَالدُّنْيَا وَالآخِرَة ، وَكَذَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَاف وَالْغِنَى وَنَحْو سُؤَال الْفَلاح وَالنَّجَاح ( وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ ) :

أَيْ مِمَّا لا يَكُونُ جَامِعًا بِأَنْ يَكُونَ خَالِصًا بِطَلَبِ أُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ .[28] عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : (( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَعَائِشَةُ تُصَلِّي ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكِ بِالْجَوَامِعِ الْكَوَامِلِ فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَهَا قُولِي : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا"))

هذا لفظ أحمد وعند ابن ماجه في آخره : ((وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا)) [29] بدلاً من أن تجعل عاقبت رشدًا . عن طارق بن أشيم بن مسعود رضي الله عنه : (( أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي ؟ قَالَ قُلْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ، وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الأَرْبَعَ إِلا الإِبْهَامَ فَإِنَّ هَؤُلاءِ يَجْمَعْنَ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ )) لفظ مسلم ، وعند ابن ماجه وغيره (( دِينَكَ وَدُنْيَاكَ ))[30] عن طارق بن أشيم بن مسعود رضي الله عنه قَالَ :

(( كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ : (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ))[31] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ ؟ قَالَ : أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ ))[32]

(دَنْدَنَتك ولا دَنْدَنَة مُعَاذ ) : أَيْ لا أَدْرِي مَا تَدْعُو بِهِ أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه وَمَا يَدْعُو بِهِ مُعَاذ إِمَامنَا وَلا أَعْرِف دُعَاءَك الْخَفِيّ الَّذِي تَدْعُو بِهِ فِي الصَّلاة وَلا صَوْت مُعَاذ وَلا أَقْدِر عَلَى نَظْم أَلْفَاظ الْمُنَاحَاة مِثْلك وَمِثْل مُعَاذ . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْح الْقَدِير : أَيْ مَا نُدَنْدِن إِلا حَوْل طَلَب الْجَنَّة وَالتَّعَوُّذ مِنْ النَّار ، فَالْمُرَاد مَا نُدَنْدِن إِلا لأَجْلِهِمَا . فَالْحَقِيقَة لا مُبَايَنَة بَيْن مَا نَدْعُو بِهِ وَبَيْن دُعَائِك اِنْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : أَيْ حَوْل الْجَنَّة وَالنَّار نُدَنْدِن , وَإِنَّمَا نَسْأَل الْجَنَّة وَنَتَعَوَّذ مِنْ النَّار كَمَا تَفْعَل . قَالَهُ تَوَاضُعًا وَتَأْنِيسًا لَهُ .[33] ولا يمنع ذلك من أن يسأل الله تعالى ما يحتاج إليه : عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ))[34] (حَاجَتَهُ كُلَّهَا) تَأْكِيدٌ لَهَا أَيْ جَمِيعَ مَقْصُودَاتِهِ إِشْعَارًا بِالافْتِقَارِ إِلَى الاسْتِعَانَةِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ " حَتَّى يَسْأَلَ" أَيْ رَبَّهُ " شِسْعَ نَعْلِهِ" .[35] عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ))[36]

قال المناوي : (ليسأل أحدكم ربه حاجته) فإن خزائن الجود بيده وأزمتها إليه ولا معطي ولا متفضل إلا هو . (حتى يسأله الملح) ونحوه من الأشياء القليلة فإنه تعالى يحب السؤال من عباده ورغبتهم إليه وطلبهم منه ولو لم يسألوا لغضب عليهم فإنه ييسر الكثير والقليل وأفاد النهي عن سؤال غيره ألبتة . (وحتى يسأله شسع) أي شسعة نعله عند انقطاعها فدفع به وبما قبله ما عساه يختلج في بعض الأذهان القاصرة من أن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه ولا تطلب منه لحقارتها فإن هذا وهم فاسد ومن ثم أعقب الرحمن بالرحيم إيثاراً لمسلك التعميم كما سبق وقد أثنى اللّه سبحانه على من دعاه بالذلة والخضوع والافتقار والخشوع بقوله { ويدعوننا رغباً ورهباً }

أوحى اللّه إلى موسى يا موسى سلني في دعائك وخافي صلاتك حتى عن الملح أجيبك .[37] قال المباركفوري :" لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ" فَإِنَّ خَزَائِنَ الْجُودِ بِيَدِهِ وَأَزِمَّتَهُ إِلَيْهِ وَلا مُعْطِيَ إِلا هُوَ " حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ" وَنَحْوَهُ مِنْ الأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ " وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ"

فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ وَدُفِعَ بِهِ وَبِمَا قَبْلَهُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الدَّقَائِقَ لا يَنْبَغِي أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ لِحَقَارَتِهَا .[38] فالدعاء لا غنى لأحد عنه أبدًا ، فالله تعالى بيده الخير كله والفضل ، وعنده خزائن كل شيء ، كما قال تعالى (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ))[39] ، ولا سبيل لنيل أي خير إلا من عند الله تبارك وتعالى ، وقد أمرنا سبحانه وتعالى بطلب كل شيء منه عز وجل ، قال تعالى (( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))[40]

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : (( يَا عِبَادِي : إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي : كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي :كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي : كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي : إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي : إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي : لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ . يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))[41]

. كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ الاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : (( قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ" ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ ))[42]

قال ابن القيم : أن هذا المقدور قدر بأسباب ، ومن أسبابه الدعاء ، فلم يقدر مجردًا عن سببه ، ولكن قدر بسببه ، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور ، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء ، وقدر حصول الزرع بالبذر ، وقدر خروج نفس ال***** بذبحه ، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال / ودخول النار بالأعمال ، وهذا القسم هو الحق . ثم قال : وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب ، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال : لا فائدة في الدعاء ، كما لا يقال : لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال ، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ، ولا أبلغ في حصول المطلوب .[43] وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لأصحابه بالغني وكثرة الولد وطول العمر والتفقه في الدين وغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة ، وكان صلى الله عليه وسلم يستنصر ربه تبارك وتعالى في غزواته ، كان يسأله أشياء كثيرة من أمور الدنيا والآخرة ، وكله ثابت في أذكاره ودعاءه عليه الصلاة والسلام . عَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي فَقَالَ : قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ ، فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ ، فَصَلَّى بِنَا ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، فَقَالَتْ أُمِّي : يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ ، قَالَ : فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ ))[44] فالدعاء بكثرة المال والولد مشروع ، ولا حرج فيه . وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ ))[45] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ ))[46] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) هذا لفظ البخاري ومسلم ،

ولفظ أحمد : (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُعَظِّمَ اللَّهُ رِزْقَهُ وَأَنْ يَمُدَّ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))[47] والأحاديث في ذلك كثيرة . أما أنه صلى الله عليه وسلم أن أرشد أم حبيبة عليها السلام إلى الاستعاذة من عذاب النار وعذاب القبر ، إنما أراد إرشادها إلى الأفضل كما قال في آخر الحديث ((كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)) ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب ويؤثر لنفسه ولآل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام خير الآخرة على خير الدنيا ، وإن كان الدعاء بهما جميعًا مشروع ، فهو صلى الله عليه وسلم يؤثر الدنيا على الآخرة فهي الأبقى . ويدل على صحة هذا حديث عمر في قصة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه : (( قال عمر : فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ ، قَالَ : فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، قَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا ، قُلْتُ : بَلَى ))[48]

وعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها قالت : (( دَخَلَتْ عَلَيَّ اِمْرَأَة فَرَأَتْ فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَاءَة مَثْنِيَّة ، فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوه صُوف ، فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ فَقَالَ : رُدِّيهِ يَا عَائِشَة ، وَاَللَّه لَوْ شِئْتُ أَجْرَى اللَّه مَعِي جِبَال الذَّهَب وَالْفِضَّة ))[49]

عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ : (( لَقَدْ أَصْبَحْتُمْ وَأَمْسَيْتُمْ تَرْغَبُونَ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْهَدُ فِيهِ ، أَصْبَحْتُمْ تَرْغَبُونَ فِي الدُّنْيَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْهَدُ فِيهَا ، وَاللَّهِ مَا أَتَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةٌ مِنْ دَهْرِهِ إِلا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْلِفُ ))[50] والأحاديث التي تصف زهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وإعراضه عن أمر الدنيا ، وإيثاره نعيم الآخرة وثوابها ، كثيرة جدًا ، وكان من أصحابه من يفعل ذلك كعمر وأبي ذر وأبي الدرداء وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة : عَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ))[51]

قال الحافظ : وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْم حَدَّثَنَا عَبْد السَّلام أَبُو طَالُوت " كُنْت عِنْد أَنَس فَقَالَ لَهُ ثَابِت : إِنَّ إِخْوَانك يَسْأَلُونَك أَنْ تَدْعُو لَهُمْ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار , فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا : إِذَا آتَاكُمْ اللَّه ذَلِكَ فَقَدْ آتَاكُمْ الْخَيْر كُلّه" قَالَ عِيَاض : إِنَّمَا كَانَ يُكْثِر الدُّعَاء بِهَذِهِ الآيَة لِجَمْعِهَا مَعَانِي الدُّعَاء كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالآخِرَة قَالَ : وَالْحَسَنَة عِنْدهمْ هَاهُنَا النِّعْمَة , فَسَأَلَ نُعَيْم الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَالْوِقَايَة مِنْ الْعَذَاب , نَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامه . قُلْت : قَدْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات السَّلَف فِي تَفْسِير الْحَسَنَة فَعَنْ الْحَسَن قَالَ : هِيَ الْعِلْم وَالْعِبَادَة فِي الدُّنْيَا أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيح ، وَعَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيف : الرِّزْق الطَّيِّب وَالْعِلْم النَّافِع , وَفِي الآخِرَة الْجَنَّة . وَتَفْسِير الْحَسَنَة فِي الآخِرَة بِالْجَنَّةِ نَقَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا عَنْ السُّدِّيّ وَمُجَاهِد وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وَمُقَاتِل بْن حَيَّان . وَعَنْ اِبْن الزُّبَيْر يَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ لِدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتهمْ . وَعَنْ قَتَادَة هِيَ الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة . وَعَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ الزَّوْجَة الصَّالِحَة مِنْ الْحَسَنَات وَنَحْوه عَنْ يَزِيد بْن أَبِي مَالِك . وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ قَالَ : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الرِّزْق الطَّيِّب وَالْعِلْم وَفِي الآخِرَة الْجَنَّة .

وَمِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الْمُنَى , وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيّ , قَالَ الْمَال . وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ السُّدِّيّ وَمُقَاتِل : حَسَنَة الدُّنْيَا الرِّزْق الْحَلال الْوَاسِع وَالْعَمَل الصَّالِح , وَحَسَنَة الآخِرَة الْمَغْفِرَة وَالثَّوَاب . وَعَنْ عَطِيَّة : حَسَنَة الدُّنْيَا الْعِلْم وَالْعَمَل بِهِ وَحَسَنَة الآخِرَة تَيْسِير الْحِسَاب وَدُخُول الْجَنَّة . وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَوْف قَالَ : مَنْ آتَاهُ اللَّه الإِسْلام وَالْقُرْآن وَالأَهْل وَالْمَال وَالْوَلَد فَقَدْ آتَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة . وَقَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين اِبْن كَثِير : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا تَشْمَل كُلّ مَطْلُوب دُنْيَوِيّ مِنْ عَافِيَة وَدَار رَحْبَة وَزَوْجَة حَسَنَة وَوَلَد بَارّ وَرِزْق وَاسِع وَعِلْم نَافِع وَعَمَل صَالِح وَمَرْكَب هَنِيء وَثَنَاء جَمِيل إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتهمْ فَإِنَّهَا كُلّهَا مُنْدَرِجَة فِي الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا الْحَسَنَة فِي الآخِرَة فَأَعْلاهَا دُخُول الْجَنَّة وَتَوَابِعه مِنْ الأَمْن مِنْ الْفَزَع الأَكْبَر فِي الْعَرَصَات وَتَيْسِير الْحِسَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الآخِرَة , وَأَمَّا الْوِقَايَة مِنْ عَذَاب النَّار فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِير أَسْبَابه فِي الدُّنْيَا مِنْ اِجْتِنَاب الْمَحَارِم وَتَرْك الشُّبُهَات . قُلْت : أَوْ الْعَفْو مَحْضًا .[52] سَأَلَ قَتَادَةُ أَنَسًا : أَيُّ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ ؟ قَالَ : (( كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ؛ قَالَ : وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا ))

 عَنْ أَنَسٍ : (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ : اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَانَ اللَّهِ لا تُطِيقُهُ أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ ، أَفَلا قُلْتَ : "اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" ، قَالَ : فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ ))[54] قال النووي : وَفِي هَذَا الْحَدِيث : النَّهْي عَنْ الدُّعَاء بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَة . وَفِيهِ : فَضْل الدُّعَاء بِاَللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار . وَفِيهِ : جَوَاز التَّعَجُّب بِقَوْلِ : سُبْحَان اللَّه , وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِره . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض وَالدُّعَاء لَهُ . وَفِيهِ : كَرَاهَة تَمَنِّي الْبَلاء لِئَلا يَتَضَجَّر مِنْهُ وَيَسْخَطهُ , وَرُبَّمَا شَكَا . وَأَظْهَرُ الأَقْوَال فِي تَفْسِير الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا أَنَّهَا الْعِبَادَة وَالْعَافِيَة , وَفِي الآخِرَة الْجَنَّة وَالْمَغْفِرَة , وَقِيلَ : الْحَسَنَة تَعُمّ الدُّنْيَا وَالآخِرَة .[55] يا مقلب القلوب : عَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ))[56]

عن شَهْر بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ : (( قُلْتُ لأُمِّ سَلَمَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ ؟ قَالَتْ : كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " ، قَالَتْ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ؟ قَالَ : "يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ " فَتَلا مُعَاذٌ "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا" ))[57]

thekr

فوائد الذكر

أحدث التعليقات