شرح حديث اشفعوا تؤجروا : أسطر

شرح حديث اشفعوا تؤجروا

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء . رواه البخاري

( اشفعوا ) أي ليشفع بعضكم في بعض في غير الحدود ( تؤجروا ) بالجزم جواب الأمر المتضمن لمعنى الشرط فتندب الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم من ذي الحقوق ما لم يكن في حد أو أمر لا يجوز تركه ( ابن عساكر ) في تاريخه ( عن معاوية ) بن أبي سفيان وإسناده ضعيف لكن شواهده كثيرة
( اشفعوا تؤجروا ) أي يثيبكم الله تعالى ( ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ) أي يظهر على لسان رسوله بوحي أو إلهام ما قدّر في الأزل أنه سيكون من إعطاء أو حرمات

و جاء في حاشية السندي :
قوله ( اشفعوا تشفعوا )
على بناء المفعول من التشفيع أي تقبل شفاعتكم أحيانا فتكون سببا لقضاء حاجة المحتاج فإن قصدتم ذلك يكون لكم أجر على الشفاعة وفي رواية صحيحة اشفعوا تؤجروا وهو أظهر .

و جاء في دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين :

 أي إن تشفعوا تؤجروا: أي يحصل لكم الأجر بشفاعتكم سواء أقضيت الحاجة أم لا، فتؤجروا جواب الشرط المقدر، ففيه الحض على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة الضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول للرئيس والتمكن منه ليوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه، ويستثنى ما لا تجوز الشفاعة فيه وذلك الحدود التي (ويقضي الله على لسان نبيه ما أحبّ) أي ما أراد مما سبق في علمه الأزلي من وقوع الأمر وحصوله أو عدمه، فالمطلوب الشفاعة والثواب مرتب عليها سواء حصل المشفوع به بأن كان مقدراً في العلم الأزلي حصوله بها أم لا، بأن كان له فيه سبب آخر لم يحصل أو قام مانع من حصوله . انتهى

 

والشفاعة يوم القيامة يعطيها الله للأنبياء وللصلحاء وللعلماء، وقد يشفع الإنسان في جيرانه وأهل بيته، والطفل يشفع في أبويه، وأعطي صلى الله عليه وسلم سبعة أقسام من الشفاعة، وأهمها الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، وذلك حينما يشتد الأمر على أهل الموقف، وتدنو الشمس من الرءوس، فيقول بعضهم لبعض: ( ألا تنظرون من يشفع لنا عند ربنا ليأتي لفصل الخطاب؟ )، فيذهبون لآدم أبي البشر، فيعتذر بقوله: إني أكلت من الشجرة وقد نهيت عنها.
فيذهبون إلى إبراهيم عليه السلام ويعتذر، والله أعلم بنوع العذر، يقول: كذبت كذبة: { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ } [الأنبياء:63].
ومن اللطائف أن شيخ القراء في المدينة الشيخ حسن الشاعر كان في محفل مجيء المحمل المصري للحج، فقرأ: { قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ } [الأنبياء:62-63]، فقام بعض شيوخ القراءات فحمله وقبّله وكان غلاماً، فإنه وقف على قوله تعالى: (( قَالَ بَلْ فَعَلَهُ ))[الأنبياء:63] كأنه تصديق على قولهم: { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ } [الأنبياء:62] { بَلْ فَعَلَهُ } [الأنبياء:63] يعني: إبراهيم فعله، ثم استأنف كلاماً جديداً: { كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ } [الأنبياء:63] ، ويكون فيه تورية على أن الفاعل فعلاً هو إبراهيم، ولم تكن هناك كذبة، ولكن العلماء يذكرون هذه الكذبة في حديث الشفاعة، ثم يذهبون إلى موسى كليم الله ويعتذر أيضاً بقوله: إني قتلت نفساً، اذهبوا إلى عيسى، ويعتذر عن الشفاعة، اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: ( أنا لها، أنا لها، أنا لها، ويذهب ويسجد تحت العرش، ويلهمه الله محامد لم يكن يعلمها في الدنيا )، وهي المنوه عنها في الحديث: ( بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك )، فمن تلك الأسماء الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده يلهمها رسول الله في ذلك الوقت، فيحمده بها، ويسبحه بها، ويدعوه بها، حتى يستجاب له: ( ارفع رأسك، واشفع تشفع ) ، فيشفع في جميع الخلائق، فيغبطه على تلك الشفاعة الأولون والآخرون.
قوله: ( من شفع لأخيه ) يعني: مشى معه في حاجة إلى إنسان، سواء كان هذا الإنسان حاكماً أو غير حاكم، ومطلق حاجة الإنسان عند آخر لم يستطع أن يظفر بها وحده، فيبحث عن شخص له عنده وجاهة، ولا يرد له طلب، قد يكون بسبب إحسان إليه، وقد يكون مكرهاً، كما لو جاء إنسان يشفع لآخر، والشفيع هذا صاحب سلطة وقوة، والمشفوع عنده يخشاه، فإذا رد شفاعته يخشى أن يتسلط عليه، فيقضيها رغماً عنه، أو يكون الشفيع صديقاً محباً مثل زوجه أو ولده أو أبيه أو صديقه، فيكلمه فيه، ويقضي له حاجته من باب المودة والملاطفة والإحسان.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ( من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية )، يعني: بعد الشفاعة، وتكون هذه الهدية كأنها مكافأة على شفاعته، فكأنه أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، لماذا؟ يقولون: تلك الشفاعة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون شفاعة في حق، وإما شفاعة في باطل، والشفاعة في الحق حق، ولا ينبغي أن تأخذ على الحق أجراً، فمن حق أخيك عليك أن تساعده، ولك أجر عند الله، وإن كانت الشفاعة في باطل فهي باطل، ولا يجوز لك أن تمشي فيها، فضلاً عن أن تأخذ عليها هدية، ومشابهة الهدية بالربا أن كلاً منهما مالٌ في غير مقابل، وقدمنا أن علماء الاقتصاد يقولون: الحياة تبنى على المعاوضة، فسلعة وثمنها متعادلة، ألف ريال قرضه، وألف ريال سداد؛ متعادلة، لكن ألف ريال قرضه وألف ومائة سداد؛ فالألف مقابل الألف، والمائة مقابل ماذا؟ هي زائدة عن الحق، فكذلك الهدية في شفاعته لأخيه زائدة، لماذا تأخذ هدية مقابل مشيك مع أخيك؟! فهذا تقبيح وتنفير من أخذ شيء على الشفاعة؛ لأن هذا إما حق لأخيك فعليك أن تؤديه إليه، وأجرك على الله، وإما باطل فيجب أن تبتعد عنه، بل وتنهاه عنه، لا أن تسعى معه وتأخذ هدية.

 

قال النووي أجمعوا على تحريم الشفاعة في الحدود بعد بلوغها إلى الإمام وأما قبله فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس وأما المعاصي التي لا حد فيها والواجب التعزيز فيجوز الشفاعة والتشفع فيها سواء بلغت الإمام أم لاثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه مؤذيا وشريرا

hyhy

hy

أحدث التعليقات